بدأت قصة تحرير المرأة في بدايات القرن الماضي ولم تنته حتى الآن، على الرغم من اعتراض واحتجاج وصرخات النساء بعد أن رأين بأنفسهن أنهن دفعن ثمن هذه الحرية، جهوداً مضاعفة وانعداماً في الأمن الداخلي والأسري وتشرد أجيال من الأبناء الذين حرموا من رعاية الأم ودعمها في الطفولة والمراهقة، فضلاً عن استغلالهن في أجواء العمل والإعلان، فمن يتاجر بجسد المرأة اليوم أكثر رحمة من الأب والأخ والزوج الذين ضربوا في سياق تحرير المرأة وتخريبها ضربة قاضية!!

لقد اشترك الجميع في عملية التخريب هذه... كتاب وفنانون ومربون ومعلمون، وأنفقت الملايين من أجل إتمام هذه المسرحية السخيفة التي دفع ثمنها بارتفاع معدلات الطلاق والنشوز وفي أعداد أولاد الشوارع والأزقة حيث لم يجدوا في البيت أماً تربيهم وتحفظهم وتعدهم ليكونوا مشبعين عاطفياً صالحين لمستقبل أفضل يصنعونه بأيديهم.

المتهم الرئيس عند دعاة تخريب المرأة هو «الرجل» الأب أو الأخ أو الزوج الذي قيل للمرأة إنه يفكر ويتصرف كمالك لها وأن مسألة العرض ما هي إلا تعبير عن هذه الملكية، حيث يثور الرجل عندما يمس عرضه كما يثور عندما تمس أملاكه، لذا وجب الخروج عن هذه الملكية والسيطرة واستبدال الأجواء الآمنة في الأسر بالتوتر والصراع والنزاع والنقاش مع كل أشكال سوء الظن المتبادل والصراخ الذي يسمع أربعين جاراً.

أما الحجاب فهو رمز وأداة السيطرة الذكورية على المرأة لأن الرجل يريد أن تكون زوجته «له» وليس «للآخرين»، فكثر المتطاولون على الحجاب ومزقت ثياب المرأة ثم خرجت من البيت لتجمل أجواء العمل وتضفي روحاً أنثوية أينما كانت، حتى صار الرجل أي رجل يقضي مع زميلات العمل المتبرجات الفاتنات أضعاف ما يقضيه مع زوجته التي هي بدورها تقضي الساعات الطوال بزينتها الكاملة مع زملاء العمل فإذا عادت إلى البيت تخلصت من زينتها لترتاح من تكلفها وتصنعها.

لم يتعرض محررو المرأة ومخربوها إلى «القوامة» إلا باعتبارها سلطة وامتلاكاً عبوساً للزوجة - الجارية!! ولم يشيروا من قريب أو بعيد إلى المسؤوليات التي تمليها القوامة على «الرجل» الذي يصارع طوال النهار ويتحمل التعب والمشقة والخضوع والمهانة من أجل إعفاف عائلته وحمايتها من الفقر والحاجة والسؤال.

فإذا سمع أن امرأة تركن إلى زوجها وتحشد جهودها لتربية أبنائها ولا تصارع الرجال لمجرد الصراع وتعترف بفضل الأب ودعم الأخ وحب الزوج قيل إنها امرأة رجعية لا يسمع صوتها .

وهي تعيش بعقلية العصور الوسطى، فإذا كانت هذه المرأة تعتبر جسدها أغلى من أن يبحلق فيه الرجال فتميل إلى الاحتشام أو الحجاب كانت الطامة الكبرى وأدينت إدانة لا رجعة عنها وسحبت منها عضوية الانتساب إلى النساء الواعيات المتحررات الناطحات برؤوسهن لكل الجدران.

في التراث الإنساني وفي تراثنا العربي أكثر ما يجمل المرأة حياؤها. بل إن الرجل إذا أراد القوم أن يمدحوه يقال فيه إنه حيي كالمرأة في خدرها، وهو وصف ورد في الشمائل المحمدية، ولكن تخريب المرأة اقتضى أن تفكك ويعاد تركيبها بعد نزع الحياء عنها ومنها وبعد تركيب مخالب وأنياب وحنجرة تؤهلها لأن تملأ الدنيا صراخاً وتمرداً وخروجاً عن مألوف الأدب.

في حين أن الزوج المسكين يريد سلته من دون عنب فيختصر الصراخ بأن يبتلع لسانه ويغلق فمه، وإذا كنا نقول هذا فإننا لا نبرئ كل الرجال ونعتبرهم ملائكة في الوقت الذي ندين فيه المرأة التي رباها مخربوها على المبالغة في الصراحة والوقاحة والنياحة.

على كل منا أن يعود إلى جدته إن كانت على قيد الحياة ليسألها عن القهر والقسر اللذين كانت تعيشهما مع جده، وهنا موضع شر البلية الذي يضحك ويبكي، فالجدات كن يعشن سلاماً وأمنا ورضا ومحبة واحتراماً متبادلاً مع الأجداد، فإذا نظرن إلى نساء هذه الأيام من المتحررات المخربات استعذن بالله من الشيطان الرجيم وأشفقن على النساء الحاملات للسلم بالعرض ولعن الباحثات عن أسباب الاختلاف في كل اليوم والخانعين من الرجال الذين لا يقدرون على زوجاتهم فكيف يقدرون على الأعداء.

قديماً وصف توفيق الحكيم الزوجين بحصانين يجران عربة كلما هوى صاحبهما بسوطه على أحدهما مال برأسه على رفيقه شاكياً ألمه وتعبه مستمداً منه المدد والعون، في حين أن حركة تخريب المرأة أرادت للزوجين أن يتحولا إلى ثورين أهوجين يتناطحان ليلاً ونهاراً حتى تنكسر قرونهما أمام تصفيق دعاة التحرير والتخريب.

إننا لا نقصد بكلامنا ألا تتعلم المرأة وألا تعمل بعد ضمان قيامها بدورها الرئيس في تربية أولادهما، ولكننا في الوقت نفسه لا نريد لها أن تخرج إلى السيرك المنصوب خارج البيوت وعبر وسائل الإعلام ليلهو بها الرجال كالقردة والكلاب، أو أن تكون سلعة تباع وتشترى في أسواق النخاسة المعاصرة، وفي النهاية لا نطمح إلا إلى امرأة ترضي ربها وتسر بزوجها وأولادها وتعيش أمنها وتسعى في تحقيق أمن وتماسك أسرتها والتجربة خير بيان وبرهان. أليس في هذا شر البلية الذي يضحك ويبكي.