إن أساس الرحمة للعالمين «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» رفع عليه المسلمون قواعد الدولة الإسلامية في حاضرة الإسلام الأولى المدينة المنورة وأقاموا على دعائمها حكمهم للشعوب التي فتحوا أراضيها لا غزواً للتسلط عليها ـ كما يدعي الأعداء ـ وإنما ليخلصوهم من الاضطهاد والظلم الواقع عليهم دون تمييز لشخص على آخر أو هضم لحقوقه لاختلاف في الدين أو اللون أو الجنس.

وإذا كان هذا هو التعامل مع الناس في فتوحات صدر الإسلام، فقد استمر الحال على ما هو عليه في مختلف العصور والأزمان، لم يعرف على طول الحقب أن المسلمين في انتصاراتهم مثلوا بالشعوب التي انتصروا عليها أو ارتكبوا من الفظائع ما ارتكبه الأعداء في الحروب الصليبية في الجولات التي كانت لهم الغلبة فيها. قال كاتب غربي يصف هذه الحروب:

«إن الصليبيين ارتكبوا جرائم وفظائع جعلت الدنيا تهتز فزعاً من هولها. فكانوا يقتلون الأطفال في أحضان أمهاتهم وينشرون أشلاءهم في الهواء (كان ذلك في أكناف بيت المقدس).

وقد جمعت تلك الحملات بين المتعصبين الذين يعتقدون في قداسة جهادهم وبين نفر انهمكوا في الدعارة ونسوا بيت المقدس فراحوا يمثلون مناظر صاخبة من هتك الأعراض، إلى النهب والقتل، وكانت جميع هذه الفظائع تترك آثاراً فاضحة على فعالهم أينما رحلوا».

ويضيف كاتب غربي آخر ـ وهي كلها شهادات شهود من أهلها ـ «إن المسلمين ظلوا على خلقهم الرفيع، لم تفقدهم هذه الأحداث الشنيعة البشعة توازنهم، ويسوق لذلك مثلاً بعهد صلاح الدين الأيوبي بقوله «إن كثيراً من المسيحيين الذين غادروا بيت المقدس بعد انتصار صلاح الدين، رحلوا إلى إنطاكية بالطبع وحسب ظنهم هرباً من المسلمين خوفاً من انتقامهم (هكذا كانوا يعتقدون أن يحدث ذلك) لكنهم لم يجدوا في إنطاكية حسن الوفادة والضيافة من أميرها الصليبي ويدعى «بوهمين» على ما كانوا يتوقعون.

وليت الأمر انتهى منه عند هذا الحد، فهو لم يحرمهم من الضيافة فحسب، بل جردهم من أموالهم، فماذا بقي لهؤلاء التائهين في الأرض؟ لا مأوى ولا مال؟!

ولدهشتهم أنهم وجدوا الرعاية والعطف والكرم وحسن الوفادة لدى من حسبوهم أعداء لهم.. لدى المسلمين في ديار الإسلام التي توجهوا إليها عندما لم يجدوا ملجأ إلا إليها بعد هروبهم من بيت المقدس خوفاً من صلاح الدين وجنوده ولو أنهم لاذوا إليه لوجدوا عنده الأمن والأمان في ظل التواجد السلمي أليس صلاح الدين هذا من عالج رأس العدوان ريتشارد (قلب الأسد)؟

وهذا كله ليس ضرباً من ضروب الخيال، فهو واقع تاريخي مثبت وموثق يؤكده الواقع الذي نعيشه من جراء العدوان الصليبي ـ الصهيوني المعاصر هذا هو الفرق بيننا وبينهم، ديننا دين الأخلاق الكريمة، نتعامل مع الآخرين بالحسنى ولو كانوا على غير ديننا، نحاورهم ونجادلهم بالتي هي أحسن، وهم لا جدال لهم معنا إلا بلغة البطش والقتل وهدم البيوت على رؤوس أصحابها، لا تفاهم ولا تعايش، نبسط لهم الأيدي مودة ومحبة ووفاء بالعهود والمواثيق وهم يبسطوها لنا قذفاً بالصواريخ.

وكل أنواع الأسلحة الفتاكة التي تقتل الأطفال والنساء والعجزة، وتشرد الآمنين عن أوطانهم ومساكنهم. يتداعون علينا ونحن لا نتداعى عليهم أبداً، لا نحارب إلا دفعاً عن ظلم وعدوان أما هم فيمارسون فينا الظلم والعدوان منذ فجر الدعوة وإلى يوم الناس هذا، بدءاً من بدر، ومروراً بالحروب الصليبية والغزو التتري المدمر وليس انتهاء بالطبع بالحروب الست المعاصرة .

وما سموها حرب مكافحة الإرهاب في أفغانستان ومن ثم اجتياح العراق وجره إلى ما صار إليه من عذابات لا تطاق، لقد دمروا كل شيء في العراق اقتصاده ومجتمعه وتراثه وحضارته والآن يريدون أن يشكلوا شرقاً أوسطياً يكون على هواهم لا يرقبون فيناً إلاً ولا ذمة، ونحن يوصي خليفة إسلامنا الأول أبو بكر رضي الله عنه جيوشه المتجهة إلى الشام بقوله: «لا تخونوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً صغيراً.

ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وإذا مررتم بقوم فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له» وتصدر اللجنة الدولية للصليب الأحمر هذه الوصية في نشرة جعلت عنوانها «من ذاكرة التاريخ العربي الإسلامي» وجعلت لها مقدمة جاء فيها:

«إن إطلالة واعية على التراث العربي الإسلامي تؤكد لنا حرصه على التمسك بالناحية الإنسانية واحترام حقوق المقاتلين والرفق بالضحايا ومعاملتهم معاملة إنسانية.

وهو في ذلك يتفق مع القوانين الدولية (الواقع انه يتفوق عليها لأنها لا تنفذ) وإن النظرة المتأنية لتبين بجلاء ووضوح مدى حرص شريعة الإسلام السمحاء (هكذا يصفونها ولا يتعاملون مع أتباعها بهذه السماحة) وحرص قادة جيوش المسلمين على احترام إنسانية الخصم، سواء كان هذا الخصم مقاتلاً أم أسيراً أم مدنياً أعزل، مما يؤكد أن هذه الشريعة كانت إحدى الموارد التي نهل منها القانون الدولي الإنساني (هكذا) قواعده ومبادئه السامية».

شيء عظيم أن تكون الشريعة الإسلامية إحدى موارد القانون الدولي الذي يصفونه بالإنساني، ولكن! أين هذا القانون من العربدات المجنونة من المعتدين الآثمين على ديارنا العربية والإسلامية؟