أولاً: التأويل: قال أبو حيان في شرح التسهيل: «التأويل إنما يسوغ إذا كانت الجادة على شيء، ثم جاء شيء يخالف الجادة فيُتأول». ويقصد بالجادة: قواعد النحو، فما خرج عنها يجب أن يُتأول حتى يعود إليها.

وقد وُجد التأويل في النحو نتيجة عاملين: أحدهما حدد نقطة السير. والثاني سار وأوغل. أما الأول فهو أصول النحو. وأما الثاني فهو الجهد الذهني العميق.

والتأويل عند سيبويه مبدئي، ليس فيه كبير أثر للصنعة، فهو يتفق مع بداية النحو إلى حد ما، ومثال ذلك عنده قوله تعالى: «إنا كل شيء خلقناه بقدر» (القمر: 49). قال: «فإنما جاء على: زيداً ضربته، وهو عربي كثير. وقد قرأ بعضهم: «وأما ثمود فهديناهم» (فصلت 17)، إلا أن القراءة سنة، لا تخالف».

وبفعل العاملين السابقين تحول هذا التأويل السابق إلى صنعة ذهنية حادة. يقول الأشموني في آية القمر السابقة: «النصب يترجّح، لأنه نص في عموم خلق الأشياء، خيرها وشرها (بقدر)، وهو المقصود.. وفي الرفع إبهام كون الفعل وصفاً مخصصاً، و«بقدر» هو الخبر. وليس المقصود إبهام وجود شيء لا (بقدر)، لكونه غير مخلوق. ومع النصب لا يمكن جعل الفعل وصفاً، لأن الوصف لا يعمل فيما قبله، فلا يفسّر عاملاً».

فهذه الآية التي قال عنها سيبويه: إنها مثل: زيداً ضربته، قد استحالت إلى جهد عميق لضرورة وجود العامل، فيترجح النصب. وقد استدعى هذه الضرورة فكرة عقلية هي دفع الإيهام، وترتب عليها أن الفعل لا يكون صفة، لأن الصفة لا تعمل، ولا تفسّر عاملاً. وأوضح من ذلك أثر العامل النحوي، والنظر العقلي.

ثانياً ـ الحذف: وهو من أهم مظاهر التأويل، والمحذوفات في النص اللغوي ثلاثة أنواع:

النوع الأول: محذوف لا يتم الكلام إلا به، وحذفه لعلم المخاطب به، وهو إذا أظهر، تم الكلام به. وحذفه أبلغ وأوجز، ومنه قوله تعالى «ويسألونك ماذا يُنفقون قل العفو» (البقرة: 219). أي: ينفقون العفو.

النوع الثاني: محذوف لا حاجة بالقول إليه، لأن الكلام تام بدونه، وإن ظهر، كان عيباً، كقولهم في تفسير قوله تعالى: «إذا السماء انشقَّت» (الانشقاق:1). تقديره: إذا انشقّت السماء، انشقّت.. هذا المحذوف، لو أظهر في الكلام، لكان عيباً ظاهراً، لا يخفى على أحد.

النوع الثالث: محذوف، إذا ظهر تغيّر الكلام عما كان عليه قبل إظهاره، كقولهم في تفسير قوله تعالى: «وناديناه أن يا إبراهيم» (الصافات: 104): ونادينا أن أدعو إبراهيم. فقوله تعالى: «يا إبراهيم» نداء، وهو إنشاء. وقولهم في تقديره: أدعو إبراهيم، والدعاء خبر، وهو نقيض الإنشاء.