الأمراض التي تصيب العقل البشري كثيرة ومتنوعة الحسية منها والمعنوية وتعتبر الأمية اخطر هذه الأمراض التي تصيب العقل والضمير الإنساني فتعكر رونق الدين، وتفسد شؤون الحياة لأنها إذا تولدت في فكر الإنسان .
وعشعشت في مخيلة دماغه أحدثت له اضطراباً مريراً في ذلك فلا ريب أنها ستجعله طريح الأفكار الهدامة التي تشل الحركة الفكرية للعقل لفهم واقع الحياة؛ فيتقبل أي فكر يطرح عليه سواء أكان هذا الفكر ايجابياً أو سلبياً خيراً أو شراً ضاراً أو نافعاً لأنه لا يعي من أمر الحياة شيئاً فلا يستطيع بسببها أن يفكر التفكير القويم الذي يساعد على حل المشكلات في الحياة.
أو يقترح حلاً مناسباً في أي مجال من مجالات المعرفة ولا يمكن له أيضاً أن يبتكر في العلوم التقنية المادية ويعلم ويربي التربية المنشودة التي ترتقي بالجيل ليقدم الخير الوفير للبشرية فيكون الفكر معطلاً والإنتاج ضئيلاً إذا خيمت الأمية على عقل الإنسان.
إن البشرية لم تستطع النهوض من ركام التخلف والانحطاط المعرفي والفكري إلا بعد القضاء على الأمية؛ فكان الجهل سائداً والفكر معطلاً كان القوي منهم يأكل الضعيف والعدل مهجور والظلم مشهور.
فبعد مجيء رسالة الإسلام قضي على هذه الأمراض التي استشرت في قلوب الناس بالعلم والمعرفة؛ وبهذا العلاج الناجح التام نهضت البشرية نهوضاً حياً وعمت الرسالة أراضي شتى من العالم واستبصر الناس بنور العلم وبصر بعضهم بعضاً؛ بمختلف صنوف المعرفة، الفقهية والفكرية والعلمية.
وهذه الأخيرة برعوا فيها بالإضافات العلمية حيث لم يقف علماء الحضارة الإسلامية( عند المواريث الفكرية، بل أضافوا بعد ذلك ما توصلوا إليه من تجاربهم وخبراتهم واستطاعوا أن يكونوا نسقاً فكرياً وعلمياً متميزاً قوامه البحث عن الحقيقة في أعماق النفس وآفاق الوجود وأساسه العلم والعمل من اجل ترقية الحياة على الأرض استناداً على مبادئ الإسلام.
ونذكر مأثراً واحداً من مآثر المسلمين في الثورة العلمية التي أشعلوا جذوتها في العلوم الأساسية والتطبيقية ففي مجال الرياضيات: جرت الدراسات وفق الطريقة الاستقرائية للوصول إلى المبدأ العام مع ملاحظة التفاصيل على نحو ما فعل الخوارزمي ( ت 232 هـ ـ 846 م ) عندما وضع معادلة عندما وضع معادلة جبرية تصلح لإيجاد حلول خاصة لمشكلات متشابهة.
واستطاع أن يتوصل إلى علم جديد يضيفه للمعرفة هو علم الجبر الذي ظل محتفظاً بلفظه العربي في كل اللغات وواصل العلماء بعد ذلك عملية التعميم للعناصر الرياضية سواء كانت خطوطاً هندسية أو أرقاماً عددية، فأضاف ثابت بن قرة ( ت 901 م ) تعميماً لنظرية فيثاغورس يصلح لأي مثلث وبرع عمر الخيام ( ت ما بين 1123 و1124م. ) في تصنيف وحل المعادلات ذات الدرجتين الثالثة والرابعة.
وظل هذا المنهج أسلوباً لفكرة الرياضيين حتى أصبح من أهم خصائص المعرفة العلمية وأدى في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي إلى اكتشاف معادلات التحول التي تربط بين إحداثيات الموضوع وإحداثيات معممة تكون مسافات أو زوايا أو كميات تتصل بالمسافات والزوايا.
ولولا هذه المسيرة الرياضية التي بدأت بعلماء الحضارة الإسلامية لما ظهرت معادلات ( لاجرانج ) ومعادلات ( هاميلتون ) التي تتميز في العصر الحاضر بسهولة استخدامها لاستنباط وحل المسائل العلمية في علوم ميكانيكا الكم والميكانيكا الإحصائية والميكانيكا السماوية والكهروديناميكا وغيرها... ) من العلوم المهمة في الحياة المعاصرة كالفلك ولم يكن كل ذلك الاجتهاد العلمي والتفكير الذهني ناتجاً من فراغ بل حدث ذلك في ظل ثورة العلم الشامل والمعرفة المتنوعة والأمر الأهم من ذلك هو القضاء على الجهل فهو من مواريث الأمية التي تشل حركة العلم لفهم لواقع الحياة البشرية. هذا وللحديث بقية.