لم يكن لدى اجدادنا من وسائل الإعلام ما يُنبئ الناس ببدء شهر الصوم، بل كان يمر مُنادٍ يهتف بالأمر وقد لا يسمعه الكثيرون. فكانوا يتوافدون على العلماء يسألونهم. ومن العلماء الفقيه الكبير سليمان بن مهران الشهير بالأعمش من فحول علماء التابعين.
وتصادف أن انتدب القضاة بعض العدول ليتحروا هلال رمضان، وتأخر الأمر فنام الكثيرون وهم لا يعلمون أغدا رمضان أم المتمم لشعبان، فانتوى الكثيرون الصيام، وفي الصباح الباكر توافدوا إلى دار الأعمش زرافات ووحدانا يسألون.
وكان الأعمش ضيق الصدر سريع الغضب، فضاق بهم وخرج وجلس على مقعد أمام بيته وجاء ببعض حبّات الرمان فقطعها، وكلما رأى أحدا قادما وتوسم أنه يريد سؤاله سارع فتناول حبة من الرمانة فأكلها أمامه حتى يكون جوابه عمليا أن ذلك اليوم هو المتمم لشعبان.
وظل على ذلك من الصباح الباكر إلى أذان الظهر فمرض من كثرة ما أكل، وعاده الناس، وسأله أحدهم عن سبب مرضه فقص عليه الأمر. فقال الرجل متعجبا: أيها الإمام، أما كان أسهل عليك أن تجيب الناس بدلا مما فعلتَ وأورثك المرض؟
قال: والله لأن أمرض شهرا كاملا، خيرٌ عندي من أن أصير كالببغاء، أكرر جوابا واحدا مئات المرات ! والشيء بالشيء يذكر، فقد كان لي ـ منذ زمن ـ صديق من أهل الصحافة وكان ضيّق الصدر، قليل الاحتمال خاصة في شهر الصوم.
وكان كثيرٌ من الناس يذهبون إليه لإبداء الإعجاب به وبكتاباته، وكانوا بذلك يقطعون سلسلة أفكاره في كتابة مقالاته فضاق بهم، فأمر رسّام الجريدة أن يرسم صورة ليدٍ تصافح يداً أخرى، وأن يكتب تحتهما «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته» وجعل الصورة في إطار وعلَّقها على الحائط خلفه. وكلما جاءه أحد وألقى عليه السلام، لم يردَّ عليه ولا ينظر إليه وإنما يشير للصورة اكتفاءً بها!
وبالطبع لم يسلم من الشعراء، إذ قال فيه أحدهم:
يُسَلِّم إذ يُسَلِّمُ بالإشارهْ
فحَسْبُكَ مِنْ تَعَدٍّ أو إمارهْ
يَضِنُّ على الصِّحابِ بأيِّ لَفْظٍ
فلا قولٌ ولا أدْنَى عِبارهْ
أتَبْخَلُ بالتَّحِيَّةِ وهي حَرْفٌ
كأنَّك قد تعاطَيْتَ التِّجارهْ
فماذا يكونُ حَظُّ الناسِ مِنْكَ إذا يومًا تقَلَّدْتَ الوزارهْ
فشاعت الأبيات وحفظها البعض، فلما علم بها اضطر لرفع الصورة، وحصل على عطلةٍ شهراً حتى ينسى أصحابه هذه الأبيات!