«وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها، ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال: إني أعلم ما لا تعلمون».
إن خلق آدم هو الومضة الأولى في مجاهل الدنيا، وكانت قصة آدم أول أحدوثة في مطلع الحياة.
والقصص عن آدم ليس جديداً في القرآن ولا فريداً فيه، بل هو فيما اشتملت عليه الكتب السماوية، وفى كتب الحديث النبوي عندنا، وكتب التاريخ الإسلامي وغير الإسلامي.
وقد عنى القرآن فتعرض لقصة آدم في ست وستين آية أو تزيد، وجاءت هذه الآيات مبثوثة في سبع سور، وتناولت من شأن آدم جوانب عدة.
ولو أن القرآن الكريم أراد بنا استيعاب هذه الجوانب كلها من طريقة خاصة لأخذ في تفصيل أوسع مما ورد فيه، ولكن القرآن كما عودنا نهجه في كثير من قضاياه وقصصه يكشف لنا الغطاء عما يكون مستوراً علينا، وينبهنا في قصد من البيان إلى ما ينبغي أن نحيط به، وفى هذا التوجيه مسايرة لقوله تعالى: «اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم».
ومسايرة كذلك لقوله تعالى «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون».
فالله سبحانه وتعالى قد أخبر ملائكته أنه سيجعل خليفة في الأرض وأن الملائكة وكانوا على شعور سابق بأن آدم هو الإنسان الذي سيخلف أخذهم حب الاستطلاع أن يتعرفوا وجه الأرجحية لآدم عليهم.. إذ هم المسبحون بحمد الله، والمقدسون له.. أما آدم فليس ملكاً متعبداً مثلهم، بل هو إنسان فيه ما فيه من طباع الشر.
فسيكون له في الأرض فساد، وسفك للدماء، فكيف يختار هو دونهم ؟
وكأنهم حسبوا أن الخلافة مسألة روحانية، لمجرد العبادة، لا لشيء آخر، فهم يستفهمون عن المرجح لآدم، وهو دون مستواهم عبادة: لا مباهاة بأنفسهم، ولا تدخلاً في فعل الله فكان الجواب إجمالاً في قوله تعالى «إني أعلم ما لا تعلمون» وقد كان فضلاً من الله على الملائكة أن يخبرهم بشأن اقتضته حكمته. وفى هذا توجيه لنا إلى سياسة رشيدة في مجتمعنا.
وهى مكاشفة الأعلى لمن هو دونه بما يفيده العلم به. اذ لم يكن هذا النبأ استشارياً للملائكة، ولا استعانة بهم، ولا وفاء لهم بحق عند الله فيما يريد أن يفعله بملكه وهو لا يسأل عما يفعل. بل كان أولاً محض تلطف من جانبه، ليشعر ملائكته أنه يكرمهم حين يفضى إليهم بما يريده.
ولعل هذا من مظاهر السمو حين يرى صاحب السلطان أن يطمئن المقربين إليه على مكانتهم عنده، فيزيدهم ذلك عرفاناً لفضله، وشكراً على تلطفه معهم.
وكان هذا النبأ - ثانياً- سبقاً إلى وضع معالم الهداية في طريق الإنسان، قبل أن يأخذ الإنسان طريقه في دنياه، فإذا برز الإنسان من أفقه المحدود في عالم الغيب إلى أفقه الفسيح المهيأ لحياته، ولحركاته وسكناته استطاع أن يقتبس لنفسه مما وضع الله مع ملائكته، وأدرك أن الله قد بذر لعبادة بذور المعرفة، وعلمهم أن يفضى بعضهم إلى بعض بما يعنيهم من شأن، وأن يجعلوا تدبيرهم جماعياً لا فردياً، واستشارياً لا استبدادياً.
وكان من مظاهر السمو التلطف مرة ثالثة أن يتقبل الله استفهام الملائكة ويجيبهم اجمالاً بأنه يعلم ما لا يعلمون.
فلم ينقم عليهم أن يسألوه ولم يبخل عليهم بالتنبيه إجمالاً على أن لديه حكمة يعلمها وحده.
ومن هذا فطن الملائكة إلى أن الأمر فوق تقديرهم، فازدادوا طمأنينة إلى صنع الله، وأيقنوا أن في آدم صلاحية للخلافة ليست فيهم.
ثم يتجه التقدير الإلهي نحو الإعراب عن مقام آدم وكرامته على ربه، فيخلق الله في آدم علماً بأسماء الكائنات من سموات، وأرض وشمس، وقمر، وحيوان، ونبات، وهواء، ونور، وظلمة، وجبال وبحار، ونحو هذا مما يلابس أهل الدنيا، ويحتاج المقيم إلى معرفته، ليستطيع مزاولة الحياة فيها، وبخاصة من يكون خليفة يقيم العدل، ويدفع الظلم، وينهض بتدبير الأمر في مجتمعه.
وليس للملائكة حاجة إلى ذلك، بل ليس فيهم وهم أهل عبادة استعداد كاستعداد آدم للدنيا.
علم الله آدم أسماء تلك المسميات تكميلاً له، ورفعاً لشأنه، ثم طرحت من جانب الله مناظرة علمية بين الملائكة ليذكروا أسماء هذه الكائنات إن كانوا أهلاً، وليتنبهوا إلى أنهم لم يخلقوا للحياة في الأرض «أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين» .
وكان هذا أمر تعجيز لا تكليف، وكيف يكلفون بما لا يعرفونه؟ وإنما هو ترفق حكيم في اشعارهم بفضل آدم وبيان استعداده لما لم يكن فيهم استعداد له من معارف وتدبيرات تتصل بالعالم الأرضي.
فلم يسعهم إلا الاعتذار بقولهم «سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم».
ثم أجاب آدم عما عجزوا عنه، ونهضت له الحجة، وثبتت له المكانة المرموقة عند الملائكة.
وتبينت لهم الحكمة التي كانوا يتوقون إلى معرفتها من قبل وهى صلاحية آدم لأمر لا يلائمهم ولا تتهيأ له فطرتهم.
وحينئذ سجل الله على الملائكة تكريم آدم، فأمرهم بالسجود له: سجود تعظيم لا سجود عبادة، وسجوداً في صورة ما، لا سجوداً على الجباه كما نسجد نحن فإن ذلك لم يشرع إلا عبادة لله وحده. ولعل السجود هنا هو الاعتراف بفضله.