الرحمن: هو العلم الثاني للذات العلية، يفيض بالرحمة التي لا منتهى لها، والتي وسعت كل شيء، فهو صاحب الرحمة العامة للخلق جميعاً، لا غنى لأي كائن عنها. وهو اسم يدل على أن الله عز وجل مستغن بذاته عن سائر خلقه، فهم مفتقرون إليه بالضرورة يرجون رحمته ويخافون عذابه.

والمؤمن عندما يلهج في دعائه بهذا الاسم تغمره سحائب الرحمة فلا يجد نفسه بمعزل عنها، بل يجد نفسه مدفوعاً بشوق وشغف إلى تكرار هذا الاسم في دعائه مرة بعد مرة، وهو في كل مرة يجد له حلاوة لم يجدها في اسم آخر من أسمائه الحسنى، مع أنها جميعاً في مستوى واحد في الجلال والجمال والكمال. ومن خصائص هذا الاسم أنه لا يجوز لأحد أن يلقب نفسه به فيقول: أنا رحمن وإن جاز له أن يلقب نفسه بغيره من الأسماء فيزعم أنه رحيم أو كريم أو حليم .

وقد تجرأ واحد من أجلاف العرب وأسوأهم طبعاً فلقب نفسه بالرحمن، وهو مسيلمة الكذاب، فشاع بين الأعراب أنه رحمن اليمامة، فلقبه النبي صلى الله عليه وسلم بالكذاب، ولعنه الله وطرده من رحمته وقتل بأيدي المسلمين في اليمامة شر قتلة.

يروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتهجد ليلة ويقول في دعائه: «يا رحمن» فسمعه رجل من المشركين فقال: ما بال محمد يدعو رحمن اليمامة، يعني مسيلمة الكذاب فنزل قول الله تعالى في سورة الإسراء: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى).

ومن عجيب أمر المشركين أنهم كانوا يقولون على سبيل العناد والتحدي يا محمد، نحن لا نعرف الرحمن فلماذا تذكره؟!

مع أنهم يعرفون هذا الاسم، وقد ورد ذكره في أشعارهم وأخبارهم كما هو منصوص عليه في كتب الأدب والأثر.

وقد سجل الله إنكارهم لهذا الاسم العظيم وتبجحهم بذلك في سورة الفرقان فقال جل شأنه: «وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً».

ولقد واسى الله نبيه محمداً عليه الصلاة والسلام في سورة الرعد مواساة قد اطمأن لها قلبه وسكنت بها جوارحه فقال جل شأنه: (كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قلبها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب).