في إطار تناول ما يمكن اعتباره الإدراكات الغربية للإسلام والمسلمين نقدم هنا مظهرا آخر من المظاهر التي تعكس نوعا من الحساسية من قبل الغرب في تعامله معنا، الأمر الذي يتمثل في الخوف مما يطلق عليه أسلمة أوروبا.
ويفاقم من هذا الشعور مشكلة تناقص السكان في أوروبا الغربية واحتمالات أن يشغل المسلمون هذا الفراغ ، وفي هذا الصدد فإن التقديرات تذهب إلى أن نحو 15 مليون مسلم تمكنوا من أن يقيموا في أوروبا وهو رقم من المؤكد أنه سيرتفع.
وهنا فإن الكثيرين من المفكرين والكتاب الغربيين يعيدون التذكير بنبوءة إدوارد جيبون في كتابه (صعود وسقوط الإمبراطورية الرومانية) حين راح يتساءل حول مصير أوروبا إذا ما كانت فرنسا فشلت في مواجهة القوات المسلمة في معركة بواتييه عام 732؟ وما إذا كان العالم الغربي أو أوروبا الغربية كانت ستتحول كلها إلى الإسلام؟
ووفقا لهذه النبوءة فإن هذا الافتراض الخيالي إذا ما كان قدر له أن يتحقق لوجدنا القرآن يدرس حاليا في أوكسفورد وأن يتم الوعظ الديني انطلاقا من أسس العقيدة الإسلامية. وباستعادة هذه النبوءة يتخوف غربيون من أن تتحقق، إن لم يكن يرون أنها قد تحققت بشكل جزئي حيث من الممكن أن يتجاوز عدد المسلمين في المحصلة النهائية على المدى البعيد عدد المؤمنين بالمسيحية وهو ما قد يعني انهيار حضور الكنيسة والإيمان الديني المسيحي في أوروبا.
وفي معرض التأكيد على صحة ما يذهب إليه هذا الفريق يشير إلى أنه منذ نهاية السبعينات تراجع معدل إنجاب الزوجين في أوروبا الغربية إلى أقل من طفلين. وأنه مع حلول 1999 فإن الرقم أصبح 3 ,1 فيما أن أسوأ الفروض تتطلب أن يظل أو يبقى الوضع السكاني ثابتا أو على الأقل أن يظل فوق طفلين، وهو ما يعني أن الأوروبيين، ببساطة شديدة، توقفوا عن إعادة إنتاج أنفسهم.
وتعزز الإحصائيات السكانية للأمم المتحدة هذا التصور حيث تؤكد انه إذا ما تواصل معدل الخصوبة على هذا النحو خلال خمسين سنة فإن سكان أسبانيا سوف ينخفضون نحو ثلاثة أرباع مليون، وايطاليا بنحو الخمس، والأكثر من ذلك فإن الانخفاض على مستوى أوروبا سيصل إلى نحو 40 مليونا، الأمر الذي لم تحققه أي من الحربين العالميتين.
وبشكل عام فإن سكان أوروبا كانوا منذ نحو مئة عام يمثلون نحو 14 % من جملة سكان العالم. ومع نهاية القرن العشرين فإن الرقم تناقص حيث وصل إلى نحو 6% وطبقا لتقديرات الأمم المتحدة المتعلقة بعام 2050 فإن الرقم سيهبط إلى نحو 4%.
إن النتيجة الطبيعية لهذا الوضع هي حاجة أوروبا إلى تغطية هذا العجز في عدد السكان، ووفق التقديرات فإن أوروبا تحتاج إلى استقبال مليون وربع المليون مهاجر سنويا اعتبارا من العام المقبل وحتى عام 2050 الأمر الذي يتطلب منها التسامح إزاء الهجرة بما فيها غير الشرعية إلى أراضيها. والمشكلة أن هذه الهجرة غير ممكنة من أوروبا الشرقية التي تمثل امتدادا طبيعيا للغرب، فيما أنها قائمة وبشكل يفوق الحدود من الجنوب ..
من العالم العربي والإسلامي وبشكل خاص من دول المغرب العربي، حيث يشير الواقع إلى أن معدلات النمو العالية في السكان إنما تجري في هذه الدول والتي تتكون معظمها إن لم يكن كلها من المسلمين. ومن ذلك على سبيل المثال المغرب والتي يصل معدل نمو السكان فيها سبعة أضعاف مثيله في أسبانيا.
امصطفى عبد الرازق
