قبل وفاته بيوم واحد تنبأ الشيخ القارئ سيد النقشبندي بوفاته، وفي اليوم التالي عندما وافته المنية وجد أولاده في جيبه وصيته قال فيها «أوصيكم بدفني بجوار والدتي، كما أوصيكم بزوجتي وأولادي، وبعيداً عن شفافيته، امتاز الشيخ سيد النقشبندي بأنه كان صاحب أسلوب متفرد في التلاوة لم يسبق إليه أحد من قبل حيث كان يؤدي بطريقة تعبيرية ثم ينتقل مباشرة للجواب مع عدم الالتزام بالطبقة الموسيقية، كما كان يجيد أيضا الابتهالات والأناشيد والتواشيح الدينية، ونظراً لتفرده فيها فقد قدمها في أغلب الدول العربية والإسلامية..

كان القارئ والمنشد والمبتهل الشيخ «سيد النقشبندي» موغلاً في حب الله ورسوله، فتربع على عرش الإنشاد الديني منفرداً، يأخذ بالألباب إلى عالم روحاني يحلق بنا بين السماء والأرض، واستطاع بطريقته الخاصة في قراءة القرآن الكريم، وفي الإنشاد الديني أن يصحب المستمعين إلى الملأ الأعلى، بما حباه الله من قدرة عظيمة على تطويع النغمة والسيطرة عليها لخدمة الدعوة وتلاوة القرآن متسلحا بحفظ واع وعميق لآلاف القصائد والتواشيح.

إضافة إلى قوة صوته في تلاوة القرآن وتأثره الشديد بالطريقة النقشبندية، التي كان والده العالم الجليل الراحل الشيخ «محمد النقشبندي» شيخاً لها. ولد الشيخ «سيد النقشبندي» بقرية «دميرة» مركز طلخا محافظة الغربية عام 1920 - شمال مصر- ونشأ في بيت ديني ورع، وكان يراقب بعينيه والده الشيخ «محمد» .

وأفراد طريقته وهم يواصلون ذكر الله بقلوبهم وبألسنتهم، فتربى على كلمات الله التي تحيط به ليلاً ونهاراً وكان يحاول أن يقلد والده في الإنشاد وقراءة التواشيح، وما لبثت الأسرة أن انتقلت إلى الصعيد حيث أقارب أمه الذين لمسوا في «الطفل».. نبوغاً وعبقرية فكانوا يشجعونه على الإنشاد وقراءة القرآن بصوته الرخيم العذب الذي يشبه فيض السماء. وكان النقشبندي «دائما ما يستيقظ من نومه قبل آذان الفجر على تواشيح الشيخ «عبد الرحمن سعيد».. شيخ الجامع المجاور لمنزل خاله..

وبإصرار كان يصحب خاله في صلاة الفجر ليتأمل ملامح ذلك الشيخ وصوته الذي لم يسمعه من قبل.. سلوك فطن إليه الخال فأدرك أن تربية «سيد» لابد أن تكون متدينة، فألحقه بكتّاب الشيخ «أحمد خليل» فحفظ الطفل القرآن كاملاً وفهم معانيه وأحكامه، ثم التحق بمعهد طهطا الأزهري بمحافظة سوهاج ليكمل تعليمه الديني ويصبح واحداً من علماء الأزهر شأنه شأن والده وجد والدته.

سيد التواشيح

في المعهد الديني كان «النقشبندي» هو سيد التواشيح وقصائد المدح.. فكثيراً ما يطلب منه زملاؤه وأساتذته أن ينشد لهم قصائد في مدح النبي الكريم وأهل بيته.. وكان الشيخ «سيد» يستسلم لرغبات زملائه وكثيراً ما كان يغيب عن العالم المادي ليلحق في عوالم أخرى من الصفاء والشفافية إذا ما بدأ في مدح الرسول الكريم وخاصة تلك القصيدة التي كتبها «كعب بن زهير» وكانت أبياتها:

إن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول.

وفي القرية اشتهر الشيخ «سيد» بين الناس وذاع صيته، وبدأوا يدعونه لقراءة القرآن في مناسباتهم الدينية المختلفة كما شارك في الإنشاد الديني في كثير من الموالد الدينية في بلدته وفي القرى المجاورة لها وخاصة في مدينة طنطا بمحافظة الغربية، شمال القاهرة والتي استقر فيها لفترة طويلة حيث عمل قارئا في مسجد «سالم الغربي» واجتمع مع العلماء والمشايخ وشاركهم في حلقات الذكر..

وهناك جمع الناس حوله بفضل ما أتاه الله من نعم كثيرة أهمها صوته العذب الذي يخترق الروح وخاصة في قصائد مدحه وترتيله للقرآن وكذلك تفانيه في خدمة الآخرين مما أكسبه مكانة عالية في نفوس الناس، وكون من خلال ذلك العديد من الصداقات والعلاقات العامة، وخاصة مع الدكتور «محمود جامع» والرئيس الراحل «محمد أنور السادات» إلا أنها كانت صداقة خالصة لوجه الله تعالى، بعيدة عن علاقة الحاكم بالمحكوم وتحولت إلى روابط إنسانية لا تعرف الرسميات..

نقش القلوب ارتبط صوت الشيخ «النقشبندي» أكثر ما ارتبط بشهر القرآن.. شهر رمضان المعظم حيث أصبح ثاني أعظم صوت في دولة التلاوة والإنشاد يصافح آذان المسلمين في رمضان بعد صوت الشيخ «محمد رفعت»، وكان الناس يهفون لسماع ذلك الصوت الساحر صاحب المدرسة المتفردة في أداء التواشيح والابتهالات..

ذلك الصوت النقشبندي أو نقش القلوب كمعنى الكلمة في الفارسية. ومنذ أن جاءته فرصة الالتحاق بالإذاعة عام 1967 قدم حوالي ألف قصيدة وموشح على امتداد مسيرته الإذاعية في الإذاعة المصرية والإذاعات العربية والإسلامية وحظي بتقدير الدول والحكام بقدر ما حظي بتقدير الملايين من المستمعين في العالم الإسلامي.

اشترك الشيخ «النقشبندي» في حفلات وابتهالات وتواشيح دينية في أغلب الدول العربية والإسلامية وبدعوة من ملوك ورؤساء هذه الدول، فزار الإمارات وسوريا وإيران والمغرب واندونيسيا والسعودية..

زيارات كانت كفيلة بأن يصبح من أصحاب الثراء ولكنه فضل أن يكون من الزاهدين وكان دائما يردد عبارة الإمام «علي» كرم الله وجهه.. اطلبوا الخير من نفوس شبعت ثم جاعت فالخير باق فيها ولا تطلبوا الخير من نفوس جاعت ثم شبعت فالشح باق فيها.

وفاة الشيخ

كانت وفاة الشيخ «النقشبندي» عام 1976 في مبنى التلفزيون عقب تسجيله بعض ابتهالاته لتذاع في شهر رمضان وكان قبل وفاته بيوم قد رأى عزاءً فانتفض قلبه، وأخرج من جيبه ورقة وكتب فيها سأموت غداً ظهراً وفي اليوم التالي حدثت الوفاة الساعة الثانية ظهراً، وفي المستشفى وجد أولاده ورقتين في جيبه في الأولى كتب فيها عبارة الأمس والثانية كانت وصية كتب فيها جملتين.. أوصيكم بدفني بجوار والدتي كما أوصيكم بزوجتي وأولادي..

وهكذا كان الشيخ النقشبندي صاحب أسلوب منفرد في التلاوة لم يسبقه إليه أحد، حيث كان يؤدي بطريقة تعبيرية ثم ينتقل مباشرة للجواب مع عدم الالتزام بالطبقة الموسيقية مستنداً إلى صوته العريض المكون من ثماني طبقات موسيقية فكان يقول الجواب وجواب الجواب.

خالد محمد غازي