من الأهمية بمكان، الإطلالة الشاملة على التجارب الحروفيّة في حياتنا التشكيليّة العربيّة والإسلاميّة، وضرورة الإطلاع عليها، ودراستها بإمعان ورويّة ودون الخضوع لأحكام مسبقة، أو اتخاذ موقف متشنج تجاهها، وإنما يجب استعراض كل ما يدور من حوار ونقاش، عالي النبرة أو هامسها، حولها وحول المشتغلين عليها، تشكيلين كانوا أم خطاطين أم حرفيين.
وتالياً الولوج إلى البنيّة التشكيليّة التي توصلوا إليها، وتحليلها وفق رؤى فنيّة معاصرة، والخروج باستنتاجات علميّة قادرة على أن تشكل نواةً أو معبراً، لرحلة بحث وتوثيق وتأريخ واسعة وشاملة، لهذه الظاهرة البصرية النشطة في عالمينا العربي والإسلامي الحديثين، وهي ظاهرة عربية الهدف واللسان، إسلامية الهوى، حداثيّة التوجه، نبيلة الهدف، أو هكذا يجب أن تكون. تأتي أهمية ظاهرة الحروفيّة في وقتنا الحالي، من كونها تشكّل المدرسة أو الاتجاه الفني الوحيد الذي كان لنا فضل تكوينها وإطلاقها، في عالم الفنون التشكيليّة الحديثة المكتظ بالمدارس والاتجاهات الغربيّة، والمزحوم بتلاوينها وإفرازاتها التي غزت حياتنا الثقافية بشكل عام، وحياتنا الفنية التشكيلية بشكل خاص، صابغةً إياها بصبغتها.
وملونة كل مل تفرزه فنوننا البصريّة المعاصرة بألوانها، بحيث أصبح لكل فنان تشكيلي عربي، قرين في الغرب، يأخذ منه، وينسج على منواله، بآلية باردة، وشعور غامر بالنقص والسلبية والعطالة التي تسد عليه، آفاق الإبداع والابتكار، وحتى الالتفات إلى واقعه وتراثه!! هذا الوضع البائس المقرور لفنانينا التشكيليين العرب والمسلمين، هو ما دفع العديد منهم، للتململ والبحث عن الصوت الخاص الذي يؤكد أصالة الأمة التي ينتمون إليها، وغنى التراث الذي تنهض عليه ... هذا التراث الذي نبههم إليه (دون قصد) الفنان الغربي نفسه، عندما وجدوه مشدوداً إلى تراثهم العربي والإسلامي.
وعازفاً عن تراثه وفنونه التي راوحت موضوعاتها وأشكالها طويلاً، حول الدين واستلهام التراث الإغريقي والروماني القديم. في الجانب المقابل شكلت ظاهرة الاستشراق محرضاً آخر، دفع الفنان العربي والمسلم المعاصرين، إلى البحث عن التفرد والتمايز، عبر الانكباب على استلهام البيئة المحليّة، والموروث البعيد والقريب للأمة، والخروج بمنجز بصري يحمل ألون هذه البيئة، ونبض هذا التراث.
والحروفيّة كاتجاه فني جديد، واحدة من الأشكال والخيارات التي يحاول من خلالها وعبرها، الفنان العربي والمسلم، تأكيد هويته المحلية الخاصة، مدفوعاً بجملة من المحرضات، أولها وأهمها، طغيان الاتجاهات الفنيّة الغربيّة على حياته التشكيلية، وما خلقه في نفسه، من كسل وعطالة إبداعية ابتكاريّة، وإحساس مر بالتبعية والتقليد الأعمى.
وثانيها، ما قدمته له مفردة الحروفيّة (الحرف والكتابة العربيّة) من إمكانات واسعة، على التأليف والتشكيل وخلق التكوينات الرشيقة، المتينة، المعبرة، في منجزه البصري المسطح (اللوحة والمحفورة والملصق) أو المجسم (العمارة والنحت والخزف والتشكيل الفراغي)، خاصة بعد اكتشافه، أن هذه القدرات والإمكانات المطواعة التي يتفرد بها الحرف العربي، للبناء به وعليه.
عمودياً وأفقياً، مداً وتجميعاً، مفرداً وجمعاً، شغلت اهتمام سابقيه من الفنانين الحروفيين والخطاطين والنقاشين والوراقين العرب والمسلمين، خلال عصور الدولة الإسلامية المختلفة، وجاء هو اليوم، ليبني على ما بنوه، ويطور ما ابتكروه وأبدعوه، مدفوعاً بهاجس التغريد خارج السرب الغربي، وترميم روحه المعطوبة بحيرة الانتماء!!
بغض النظر عن الصيغ التي توصل إليها الفنان الحروفي، وعن مبرراته التي دفعته لخوض هذا الغمار، وتعدد أراء واجتهادات ورؤى المشتغلين والمنظرين والمحللين، في حقل الحروفيّة المتنامية الحضور في حيواتنا الثقافية الحديثة، علينا محاولة التوقف عند هذا التيار، ودراسته بعمق ورويّة وتمعن، قبل أن نصدر أحكامنا القطعية (سلباً أو إيجاباً) به، خاصة وأن الخط العربي (وهو المفردة البصرية الأساسية التي يشتغل عليها هذا التيار) يمثل التراث الفني الذي خلفه العرب والمسلمون، في أصقاع العالم كافة، وهو برأي عدد كبير من الفنانين والخطاطين والباحثين الجماليين:
فن تجريدي عربي خالص، وعلامة مميزة للحضارة العربيّة والإسلاميّة، لكنهم بالمقابل، يتحسرون على واقعه الحالي، حيث يعامل معاملة الغريب على أرضه، ويذهب بعض الخطاطين للغمز من قناة الحروفيين، مؤكدين أن بعضهم (خاصة المستغربين) يتعاملون مع الخط العربي باعتباره فناً زخرفياً، يتم مسخه وتكسير أصوله، في لوحاتهم التي يطلقون عليها تجاوزاً: لوحات حروفيّة عربية!!
د. محمود شاهين


