روى البخاري ومسلم عن عمر بن أبي سلمة ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت غلاماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا غلام سمّ الله، وكل بيمينك ، وكل مما يليك»، فما زالت تلك طعمتي بعد.

يبين لنا هذا الحديث حرص النبي صلى الله عليه وسلم على استغلال كل المناسبات ليقدم لأفراد أمته صغاراً كانوا أم كباراً النصيحة والإرشاد والتعليم في سائر أوجه الحياة، فهذا ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه الرسول أدب الطعام خاصة إذا كان الطعام قدم للجماعة، فليس من الأدب أن يطلق الآكل لنفسه العنان في تناول الطعام من أي جزء.

ومن أي مكان، فإن ذلك الصنيع يعتبر شرهاً وطمعاً وأنانية تفسد على الناس شهيتهم، وتشكل عدواناً على حقهم في ذلك الطعام، وهذا يتنافى مع الخلق الكريم، فاليد التي تطيش في صحفة الطعام لتنتقي أطايبه فتقدم اللحم وما لذّ وطاب على حساب الشركاء الآخرين، فإنها تعبر عن شره صاحبها وطمعه وأنانيته، وهذا يتعارض مع توجهات الإسلام في آدابه الاجتماعية التي تحرص على محبة الآخرين وإيثار وتكريم بعضهم بعضاً، لا أن يتسابقوا في انتقاء الأطيب.

وأما الأدب الثاني الذي أظهره هذا الحديث الشريف فإنه يتجلى في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك الغلام بأن يأكل بيمينه، وهو أدب إسلامي رفيع يقوم على فلسفة بسيطة مفادها توزيع الأعمال بين اليمين والشمال، فالأعمال الطيبة كالأكل والشرب والكتابة والمصافحة والتشهد في الصلاة وأمثالها، فقد جعلها الإسلام من خصائص اليد اليمنى.

وأما الأعمال الأخرى التي يغلب عليها طابع المهانة كالاستنجاء وإزالة القذارات وما شابهها فإنها من اختصاص اليد اليسرى، ولا يخفى على عاقل أنه ليس من الكياسة أن نستخدم اليد التي يستنجى بها للأكل بعد ذلك، أضف إلى ذلك أن الأكل باليمنى فيه من معاني البركة ومخالفة الشيطان الذي يأكل بشماله. وأما التسمية عند بدء الطعام فهي تذكرة للإنسان بنعمة الله عليه ليتوجه بشكره إلى الله المنعم.

وهي في الوقت نفسه طلب استعانة بالله تعالى على ما بدأه الإنسان من عمل، فهذا الحديث الشريف يظهر لنا اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بتربية الأبناء الصغار على الآداب الاجتماعية، وفي ذلك إشارة للأولياء ليربوا أبناءهم على تعاليم الإسلام الهادفة التي ترسخ القيم والآداب والأخلاق اللازمة لبناء المجتمع الإسلامي الفاضل كما يريده الله تعالى، وقد أثمرت تلك التوجيهات النبوية في تربية الناشئة على تلك الآداب، وهذا ما أشار إليه الحديث الشريف.

حيث قال راويه عمر بن أبي سلمة: «فما زالت تلك طعمتي بعد» أي فما زلت ملتزماً بتلك الآداب التي أمرني بها رسول الله صلى الله عليه وسلم من تسمية الله تعالى، والأكل باليمين، والأكل مما يلي المجلس من صحفة الطعام، وهذه الاستجابة السريعة والدائمة لتوجيهات رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا السر في عظمة ذلك الرعيل الأول من هذه الأمة التي لا تحتاج من نبيها إلا إلى مجرد الأمر والتوجيه ليكون التنفيذ والاستجابة، فرضي الله عنهم وأرضاهم.

د. أبوبكر علي الصديق