يقول الله تعالى: «يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج» (الحج: 5)
لقد أراد الله عز وجل أن يقرب للناس صورة البعث وإحياء الموتى يوم القيامة بتوضيح أمرين ظاهرين، ولا يرتاب أحد في جلائهما، فيقول لهم:
إذا كنتم في شك من البعث وتظنون أن الموتى لا يعودون إلى عالم الحياة في الدار الآخرة، واعتقدتم أن الموت نهاية الحياة، ولا بعث للموتى من قبورهم بعد موتهم، فعليكم أن تنظروا إلى خلقكم ونشأتكم، من أين خلقتم؟
وكيف تدرجت أطوار خلقكم، حتى وصلتم مرحلة من العمر تختلف من شخص إلى آخر؟ فالذي خلق وأنشأ من العدم ـ ليس عاجزاً عن الإعادة، خلقتم من التراب ثم من النطفة ثم من العلقة، ثم من المضغة المخلقة وغير المخلقة، ثم خرج من أراد الله له الحياة إلى عالمها خرج طفلاً، ثم صبياً، ثم رجلاً، ثم شيخاً، ثم كهلاً، وليس من الحتم أن يمر كل واحد بهذه المراحل، فمنكم من يتوفى، قد يكون في طفولته، أو صباه، أو شبابه، أو مرحلة بعدها، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر، فمن الذي خلق وسوي؟ أليس الذي خلق فسوي، بقادر على أن يحيي الموتى؟
من هنا جاء الجواب مسكتاً، تأمل أيها الإنسان مراحل حياتك، ثم أحكم بعد هذا؟ وهل تجد رداً إلا أن هذا دليل حاسم قاطع على قدرة الله أن يحيي الموتى، وجاء مثل هذا الدليل والبرهان في سورة «يس»، فكان الجواب مفحماً، وكان الرد ملجماً، فهذا الكافر الذي ينكر البعث ويمسك بالعظم البالي ويفتته بين يديه قائلاً: أترى يا محمد أن الله يحيي هذا بعدما رم؟ فكان جواب الرسول « صلى الله عليه وسلم « نعم ويبعثك ويدخلك النار».
وتلا قول الله تعالى: «وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون»، والآيتان الأوليان كما يقول ابن أبي الإصبع:
إنه من الاحتجاج القاطع للخصم، وإنه من حسن البيان المتصل، وللشيخ الغزالي كلام جميل في هذا الموضوع. فهذا المنكر للبعث قيل له: لماذا نسيت كيف خلقت؟ وكيف وجدت؟
وتضرب لنا المثل، وتقول: كيف يحيي الله هذه العظام بعد ما رمت؟ فكان الجواب: يحييها الذي أنشأها أول مرة، والإعادة أهون من الخلق والإنشاء. وهل غاب عن ذهنك أن الله يخلق الشيء وضده؟ هذا الشجر الأخضر الذي جعل الله منه ناراً تحرق، فإذا أنتم منه توقدون. يقول أبو هلال العسكري:
«ومن وضوح الدلالة وقرع الحجة قول الله سبحانه: «وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم»، فهذه دلالة واضحة على أن الله تعالى قادر على إعادة الخلق، مستغنية بنفسها عن الزيادة فيها، لأن الإعادة ليست بأصعب في القول من الابتداء، ثم قال:
«الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون» فزادها شرحاً وقوة، لأن من يخرج النار من أجزاء الماء، وهما ضدان، ليس بمنكر عليه أن يعيد ما أفناه ثم قال تعالى:
«أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم»، فقواها أيضاً، وزاد في شرحها، وبلغ بها غاية الإيضاح والتوكيد، لأن إعادة الخلق ليست بأصعب في العقول من خلق السموات والأرض ابتداء». وتفسير أبي هلال العسكري لهذه الآيات موضع تقدير، فالرجل من علماء البلاغة.
ومن النقاد، وتفسيره هذا يعد من روائع التفسير البياني، كما قال ذلك عنه د. محمد رجب البيومي - الأستاذ بجامعة الأزهر- فقد عرض في كتابه «خطوات التفسير البياني» تفسير أبي هلال العسكري، وقدم له بقوله: ومن روائع التفسير البياني لأبي هلال العسكري، ثم ذكر ما قاله أبو هلال، وهذا المعنى نفسه أشار إليه د. أحمد بدوي، فقد قدم لهذه الآيات بقوله:
ويمثل النقاد للحجة البالغة بقوله تعالى: «وضرب لنا مثلاً. . » الآيات إلى قوله تعالى: «وهو الخلاق العليم» ثم ذكر كلام أبي هلال العسكري. والقرآن الكريم لجأ إلى الاستدلال على إمكان البعث بأدلة عديدة، وضروب مختلفة، ونظرة إلى الآيات التي معنا تعطينا ثلاثة ضروب، حدثنا عنها د. محمد أحمد يوسف القاسم فقال: أولها، قياس الإعادة على البدء قال تعالى:
«وضرب لنا مثلاً»الآيات إلى قوله تعالى: «وهو بكل خلق عليم»، وثانيها، قياس الإعادة على إيجاد النار من الشجر الأخضر: «الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً»، وثالثها، قياس قدرته على الإعادة على قدرته على خلق السموات والأرض بطريق الأولى: «لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس». ثم ذكر أمراً رابعاً يتعلق بالدليل السابق على البعث، وهو إحياء الأرض بالنبات، والذي أشار إليه بقوله تعالى في آية المثل: «وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت»، فقال:
قياس قدرته على الإعادة على إحياء الأرض بعد موتها: «ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت». والقرآن الكريم في المثل الذي قرب به صورة البعث، وأنه ليس بمستبعد على الله أورد دليلاً آخر، فقد لفت نظر الإنسان أولاً إلى خلقه، ثم طلب منه مرة أخرى أن ينظر إلى النبات الذي يشاهده ويراه فيقول تعالى:
«وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج». وقد كانت آيات سورة يس مدللة على البعث بالخلق وخلق الشيء وضده في شيء واحد، فالشجر الأخضر يخلق منه ناراً، والنار يضادها ما فيه بلل أو رطوبة ثم بخلق السموات والأرض. وآيات المثل هنا تحدثت عن خلق الإنسان، وعن حياة الأرض بالنبات.
وهذا من الدليل على قدرة الله على الإحياء والإعادة، وجاء هنا التعبير عن الأرض في سورة يس: «وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون»، فالأرض كانت ميتة وأحياها الله بالنبات، كذلك ورد هذا التعبير هنا في هذا المثل، وفي آية أخرى من سورة فصلت، وجاء بلفظ يدل على التشخيص، فالأرض الجامدة كيف اهتزت وربت، وكيف خشعت؟
إن التعبير القرآني في هذا المثل وفي آية سورة «فصلت»، صور الأرض كأنها كالإنسان في تأثرها، فتهتز وتربو، أو تذل وتخشع، فهذا التصوير القرآني الذي جعل من الجامد حياً، بل جعله معبراً، كما تعبر قسمات الوجه عن شعور الإنسان. هو لون من ألوان التخييل.
وهذا هو المثل التقريبي الذي يضعه القرآن أمام الناس، ليعرفوا أن البعث حق، وأن إحياء الموتى حقيقة لا ريب فيها، فهذه الأرض الميتة من الذي أخرج نباتها؟ ومن الذي أحياها بهذا الزرع؟ إنه الله تعالى، فإذا كانت النفوس ترى وتشاهد مراحل الزرع، وكيف أحيا الله به الأرض أيقنت أن البعث حق لا مرية فيه، من هنا كان المثل الذي وضعه القرآن أمامنا، مقرباً للأمر الذي تستبعده العقول والإفهام، مصوراً له بصورة مشاهدة حسية ماثلة أمام العيون مما جعله أمراً تقبله العقول، وتقر به النفوس، فلا مجال لريب فضلاً عن إنكار.
«وكالة الصحافة العربية»