قال تعالى: «والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة»، هذه دعوة إلهية للأمهات أن يرضعن أولادهن، وإن كان القدماء لم يتبيَّنوا إعجاز هذه الدعوة، إلا أن الطب الحديث بيَّن أهمية الرضاعة، وأنه لا يقوم مقام الرضاعة أي غذاء في العالم.
وجد الأطباء أن حليب الأم يحتوي على جميع العناصر اللازمة للطفل بنسب متوازنة حسب احتياجه وحسب مراحل نموّه المختلفة، فهو غني بالبروتينات والدهنيات والسكريات والأملاح المعدنية والماء. فهو في الحقيقة حليب فيه غذاء كامل ومكيّف حسب احتياج الطفل خلال الأشهر الأربعة الأولى كلها.
وحليب الأم كذلك يصل من مصنعه ـ أي من الغدد اللبنية في الثدي ـ إلى فم الطفل مباشرة، فهو معقّم ونظيف ولم تمسه أي يد أو إناء ولم يتعرض للتلوث. ومن السهل إعطاؤه للطفل من دون إعداد أو تحضير أو غلي أو جهد من الأم، ومتوافر لكل أم مهما كانت قدرتها المالية وحالتها الصحية.
وتبيّن أيضاً للدارسين فيه أن صحة الأطفال الذين يرضعون رضاعة طبيعية أفضل بكثير من الأطفال الآخرين في جميع مراحل عمرهم وحتى في شبابهم أيضاً، فحالة الطفل النفسية ورجل المستقبل تكون حالته سوية ومستقرة مما يجعله أكثر أماناً واستقراراً ونجاحاً في حياته.
ولذلك نجد لبن الأم أفضل كثيراً من جميع الألبان الأخرى سواء الصناعية أو الحيوانية، طازجة أو محفوظة أو مبسترة أو مجفّفة أو مركّزة.
وجد الأطباء أن لبن الأم يُعتبر الغذاء المثالي للأطفال ناقصي النمو وناقصي الوزن، ويقي الطفل من خطر الإصابة بالإسهال والجفاف، وحرارة حليبها مناسبة للطفل، لا يسبب للطفل أمراض الحساسية كالأنواع الأخرى من الألبان، وهو سهل الهضم.
إن اللبن في الأيام الأولى للرضاعة يحمي الطفل وينقل له المناعة ضد الكثير من الأمراض كالحصبة والسعال والتيفود وغيرها، ويقلِّل احتمال إصابة الطفل بالتشنجات عند إصابته بالحمى، ويرجع درجة مقاومته ويقوّي جهازه المناعي طوال حياته.
والطفل الرضيع من ثدي أمه أكثر إحساساً بالأمان والحنان، وأكثر استقراراً من الناحية الوجدانية والعاطفية وأوثق اتصالاً بأمه، مما يساعد على تكوين شخصيته في المستقبل.
وللرضاعة الطبيعية فوائد تعود على الأم أيضاً، فهي تساعد على عودة الرحم لحجمه وحالته الطبيعية، وتقلِّل من فرصة النزف بعد الولادة، وتقلِّل من احتقان الثدي ومضاعفاته كالالتهابات والخراريج.
ووجد الأطباء أيضاً أن الرضاعة تقلِّل من احتمال الإصابة بسرطان الثدي، وفيها راحة للأم والأسرة من جهد ومال يستند لشراء أو تحضير الرضعات الصناعية.
وتبيّن أيضاً أن فيها راحة نفسية للأم وهي ترضع وليدها لقربها منه والتصاقه بها، وتساعد الأم على عودة جسمها إلى حالته الطبيعية والتخلص من الوزن الزائد والسمنة التي تعقب الولادة، ولا تؤثر الرضاعة على شكل الثدي أو تسبِّب ترهله مع المحافظة الواجبة عليه.
تبيّن للأطباء أن 100% من النساء قادرات على الإرضاع الطبيعي لمدة أربعة أشهر، و95% من النساء قادرات على الإرضاع الطبيعي لمدة تسعة أشهر.
إن تأكيد الأطباء والباحثين على الرضاعة الطبيعية نابع من الفوائد الصحية والنفسية للأم والرضيع، ولا ينبغي للأم أن تعزف عن إرضاع ولدها إلا في حالات يعرفها الطبيب كمرض الأم العقلي الذي يخشى فيه على الطفل الرضيع، أو كون الطفل لقيطاً إذا لم يجد من يرضعه، أو في حالة وفاة الأم، أو كون الإنجاب توأماً لا يكفيهما لبن الأم الطبيعي.
زكريا الطحان