في ظل الكم الهائل من القنوات الفضائية التي ازدحمت بها سماوات الألفية الثالثة، ويتابعها الكثيرون وعلى الرغم من تنوع مضامين ما يقدم على تلك القنوات في أعمال، برزت الحاجة لزيادة عدد القنوات الفضائية المتخصصة وتحديداً في المجال الديني.

. فما من شك أن كثرة الفضائيات المهتمة بالدراما والغناء والموسيقى قد أضاعت مجهوداً نظن أنه يبذل في القنوات الفضائية الدينية لشرح الدين لكل الناس وإزالة حالة سوء الفهم لتعاليمه الصحيحة الأمر الذي أدى إلى اتهام المسلم بالمتطرف!

وفي ظل كل ذلك وغياب القنوات الدينية في التلفزيونات الحكومية الأرضية نجد أن المقارنة صعبة والنتائج المنتظرة غير مبشرة ليخرج علينا كل يوم من يتهمنا بالإرهاب..

ليس هذا فحسب ولكن إشكالية تنوع الطوائف تقف هي الأخرى عائقاً أمام زيادة عدد القنوات الدينية.. ويبقى السؤال هل طغى الترفيه على الدين وإن كان فأين مؤسسات الدعوة.. هذا ما يطرحه التحقيق:

فيقول الإعلامي راضي السعيد المذيع بقناة اقرأ الدينية:

نحن في أمس الحاجة للقنوات الدينية هذه الأيام فالأمة الإسلامية بحالة تحتاج فيها لكل مساعدة سواء كانت إعلامية أو دينية أو على مستوى الأفراد لنصرة الإسلام الذي يتعرض حالياً لهجمات شرسة أفرزها سوء الفهم وعدم الحوار الذي ميزنا في النصف الثاني من القرن الأخير فتحدثنا مع أنفسنا أكثر من حديثنا مع الآخر مما فتح الباب لاجتهادات المتربصين بالإسلام ليدخلوا عقول الغرب ويزيفوا الحقائق بها .

ولم نلتفت لهذه الحقيقة إلا مؤخراً فاجتهد البعض لعمل بعض البرامج الدينية بالقنوات الخاصة في محاولات مشكورة لفك هذا الارتباط بين الدين الإسلامي والمفاهيم الخاطئة لكن الجهد لا يزال ضئيلاً ونحتاج لمنبر رسمي ليتحدث بلسان الحكومات.

ورجل الشارع العادي الغيور على دينه ووطنه الإسلامي بعيداً عن الاجتهادات الشخصية لبعض الشخصيات الإعلامية التي أثرت الشهرة والانتشار من خلال الفضائيات وتركوا الدين ونصرة الرسالة التي جاءوا من أجلها وجلسوا على منابر الخطبة ليعظوا الناس ويقدموا لهم النصيحة فابتعدنا عن المشايخ الأجلاء في محاولة لإظهار جيل من الدعاة الذين إذا اجتهدوا فهم يعانون من قلة الخبرة، مما زاد النقد لهم وصرف عنهم الاهتمام بالمشاهدة لافتقارهم الخبرة لتحديد ما يقال وما لا يقال.

التخصص مطلوب

د. أحمد عمر هاشم رئيس اللجنة الدينية بمجلس الشعب يرى أن افتقار أجهزة الإعلام الرسمية لوجود قنوات دينية متخصصة يرجع إلى القائمين على هذه المنظومة الإعلامية الذين أغفلوا دور الدين وما تمر به من أزمة بسبب الابتعاد عنه بل والتخريب في عقول الشباب ليعبروا عنه.

ويتم استقطابهم لطرق أخرى أدت لما نحن فيه الآن من اتهامنا بالتطرف والإرهاب الفكري والقمع والفساد الأخلاقي والديني في مجتمعاتنا العربية في وقت نجد الميزانيات يتم رصدها بكثافة لخدمة المجال الترفيهي في الإعلام الذي لو زاد عن حدوده وأصبح كل الإعلام سنجد أنفسنا نعاني من مشكلات كثيرة.

وأضاف هناك بعض الفضائيات الدينية تجتهد مشكورة في محاولة للتخصص بالمجال الديني في الإعلام لإيجاد نوع من التوازن بين الإعلام الترفيهي والإعلام الهادف وإن كانت قنوات خاصة لكنها تراعي مضمون ما يقدم ليكون بعيداً عن الأهواء الشخصية والآراء الخاصة والمضامين المنتقدة في الأعراف والشرائع السماوية ولا يهم عموميتها من خصوصيتها المهم .

وما يجب مراعاته جيداً ولا جدال فيه هو مضمون هذه القنوات وما تقدمه وهل تقوم برسالتها الإعلامية الهادفة أم لا بعيدا عن محاولات اجتذاب الشهرة للقائمين عليها أو الدعاية لبعض الدعاة الجدد على سبيل الجذب المادي من أرباح إعلانية وتقديم مواد ضارة بالعقول والفكر الإسلامي المستنير.

ويتحدث د. محيي الدين عبدالحليم أستاذ الإعلام بجامعة الأزهر قائلاً: إن الفقر في عدد القنوات الدينية الفضائية وانعدامها في الإعلام الرسمي يعود إلى عدم وجود قائمين على الإعلام ممن لهم جرأة اتخاذ قرار كهذا فإنشاء قناة دينية يحتاج لقلب حديدي لما تحتويه مضامين هذه القنوات من مواد لتمس أكثر مناطق الحياة حساسية وهي الدين لكن الحكومات والإعلام الرسمي آثروا مبدأ السلامة والبعد عن المشكلات لما قد تحتويه هذه القنوات من مواد قد ترضي البعض ولا ترضي البعض الآخر.

وتتعرض للانتقاد أكثر من غيرها بالإضافة للرقابة على ما يقدم بهذه القنوات من أفكار وأقوال لأنها كمنبر إعلامي حكومي أيا كان توجهه فهو يتحدث بلسان القائمين عليه من وزارة إعلام وحكومة وسياسة متبعة لذا فتحتاج لقرار جريء ليعبر عن البيروقراطية والرقابة الصارمة على كل ما يقال وليؤثر القائمين على مثل هذه القنوات الدينية الأرضية الاعتدال في المواد المقدمة لتكون قدوة للفضائيات الأخرى وفي الوقت نفسه تبتعد عما وقعت فيه الفضائيات وهو المغالاة والمبالغة في التشدد والبعد عن صحيح الدين في محاولات الدعاية والبحث عن الربح المادي.

د. حسن الملكاوي أستاذ الشريعة بمعهد الفكر الإسلامي يرى أن عدم وجود قنوات أرضية دينية يرجع إلى بعد الحكومات عن أرض الدين خوفاً من الانتقاد وإثارة الفتن وتأليب الطوائف فبعض الدول العربية بها أكثر من طائفة ومذهب للدين الإسلامي مما قد يؤدي إلى مشكلات طائفية ودينية.

ومن غير المعقول اتباع مبدأ وسطي بين كل هذه المذاهب، لذلك فالقنوات الفضائية الدينية وإن كانت تعمل جاهدة في محاولة إرضاء الجميع والبعد عن النقد المباشر لمضامينها الاجتماعية فإنها أيضاً لا تعبر عن وجهة نظر بلد بعينها وليست لسان حكومة سياسة متبعة قد تتعدد.

خاصة أن القنوات الدينية المتخصصة لا تحقق الربح المادي والعائد الاقتصادي المرجو منها لعدم احتوائها على مواد ترفيهية جاذبة لعين المشاهد تحقق عائداً إعلانياً.

قناة التنوير

د. تهامي منتصر أستاذ التفسير والفقه له وجهة نظر حيث يرى أن هناك عدة مشروعات تمت مناقشتها ومسألة إنشاء قناة دينية متخصصة تتحدث بلسان معتدل يقوم عليها علماء من الأزهر من أصحاب الحكمة والرأي السديد لكن هذا القرار قوبل بعدد من الانتقادات والعقبات كان أهمها هو الفكر والمضمون المقدم من خلال هذه القنوات هل يتبع السنة والتشدد أم الوسطية التي تؤدي للسطحية.

ومن سيقوم على هذه القناة هل يحترس من الوضع السياسي الذي لا تعقل فيه وجود أقباط يطالبون منذ سنوات بساعات في القنوات الأرضية لتقديم موادها الدينية فكيف سيكون الحال بوجود قناة متخصصة إسلامية لذلك تم تحويل متخصص هذه القناة من تخصص ديني لتخصص ثقافي وأصبحت هي قناة التنوير التي تهتم بجميع أنواع الثقافات ومنها الثقافة الدينية الإسلامية لكنها لا تنفصل عن باقي الطوائف بعيدة عن السياسة مراعية وجود أكثر من دين بالبلد الممول لهذه القناة يطالبون بالسماح بممارسة العمل التبشيري والدعوة لدينهم بوسائل الإعلام .

وهو ما قدم بشأنه وثيقة بمجلس الشعب لكنها قوبلت بالرفض في محاولة لتقليل الاحتقان الديني الدائر بين الطائفتين، فأفكار هذه القناة الأرضية ستكون محسوبة على حكومتها كرأي رسمي مصرح به من الجهات الرسمية ولعل أبلغ مثال هو برنامج الشيخ الشعراوي في تفسير القرآن عندما اعتبرت إسرائيل تفسيره لآيات بني إسرائيل رأياً حكومياً واعترضت عليه رغم أنه لا يحمل أي معنى سياسي ولا يمت للسياسة بصلة.

القاهرة ـ غادة إبراهيم: