ذكرنا بالأمس طرفا من الشعر المتعلق بشهر الصوم المبارك. وجَحْظَة البرمكي (وهو أبو الحسن أحمد بن جعفر من أحفاد يحيى بن خالد البرمكي واشتهر بجَحْظَة البرمكي لجحوظ كان في عينيه وتوفي سنة 324 من الهجرة) له نوادر رمضانية. فقد كان شاعرا ومطربا مجيدا وأديبا وصاحب نوادر وهو معدود من الظرفاء.. وكان أكولا.
وكان له صديق من الأغنياء يقيم مآدب فلا يدعو جحظة. فعلم يوما أن هذا الصديق قد دعا بعض الأضياف لوجبة العشاء في رمضان (وهي وجبة بين الإفطار والسحور) فتوجه إليه فرحب الرجل به، فقال له جحظة، لماذا لا تدعوني إلى ما تقيم من مآدب؟ قال: لأنك شديد المَضْغ، سريعُ البَلْع، لا تضع لقمةً في فمك إلاّ وقد هيأتَ أخرى!
فقال له جحظة على الفور: جُعِلْتُ فداءك! أو تريدني أن أصليَ ركعتين بين اللقمة واللقمة؟!
وكان له صديق يُدْعَى هارون بن عَرِيب، فقال له جحظة ذات يوم: قد أصبحنا في رمضان، فلِمَ لا تدعوني لأسهر عندك وأتناول من حلويات رمضان ؟ فدعاه هارون مع بعض الرفاق ليسهروا سهرة رمضانية.
ولما تكاملت السهرة جيء بالحلويات، وكان من بينها ما يسمى بالقطائف وسميت كذلك لأنها تزيَّن باللوز وغيره فتبدو كقطع القطيفة الملونة. وكانت القطائف محشوة باللوْز والجَوْز والصنوْبَر.
وما أن وضع طبق القطائف حتى هجم عليه جحظة هجوما شرسا وانكبّ عليها يأكل بشراهة وشراسة ولا يترك لنفسه ولا لغيره ثمة فرصة. فتخوّف صاحب الدار أن يصاب جحظة بتُخَمَة يصبح هو مسؤولاً عنها، فقال لجحظة:
يا جحظة، رويْدَك مهْلا.. فإن القطائف إذا أكل الرجل منها كثيرا، وكانت قد حُشِيَتْ باللوْز أبْشَمَتْ، وإن كانت قد حشِيَتْ بالجوْز أتْخَمَتْ، وإذا حُشِيَتْ بالصنوْبر هَدَّمَتْ، وإذا كانت قد حُشِيَتْ بذلك كله أعْدَمَتْ!
فضحك جحظة وأنشد في الحال مُرْتَجِلا:
دعانِيَ هارونٌ لأكْلِ القطائِفِ
فأمْعَنْتُ فيها آمِناً غيرَ خائِفِ
فقال، وقد أوجَعْتُ بالأكلِ قَلْبَهُ،
رُوَيْدَكَ مهْلاً فهْيَ إحْدَى المتَالِفِ
فقُلْتُ له : ما إنْ سمِعْنا بهاِلكٍ
يُنادَى عليه : يا قَتِيلَ القطائفِ
ثم انهال عليها أكلا واستغرق الحاضرون ضَحِكا!
الشاعر ابن الرومي ورمضان
والشاعر ابن الرومي (وهو علي بن العباس بن جريج رومي الأصل وهو من فحول شعراء الدولة العباسية توفي سنة 283 من الهجرة ) حضر إحدى أمسيات رمضان وكان الشهر قد صادف شهر آب أي أغسطس وهو أوج الصيف حيث الحر الشديد، كما يطول فيه اليوم بقدر ما يقصر فيه الليل، فسأله أحد الحاضرين عن حاله في الصيام، فأنشد مرتجلا:
شهرُ الصيامِ مبارَكٌ
ما لمْ يكُنْ في شهْرِ آبِ
اليومُ فيه كأنّهُ
مِنْ طولِهِ يومُ الحِسابِ
والليل فيه كأَنَّهُ
لَيْلُ التَّواصُلِ والعِتابِ
خِفْتُ العذابَ فصُمْتُهُ
فوَقَعْتُ في نَفْسِ العذابِ
وإلى أمسية الغد إن شاء الله تعالى.