على الرغم من الطابع الرمزي الواضح الذي يفرض نفسه على مفردات عمارة المساجد، فإن هذه العمارة تظل في المقام الأول ساحة اللقاء الكبيرة للتفاعلات بين الأبعاد الوظيفية للمسجد والجوانب الفنية والإبداعية لعمارته.
بهذا المعنى فإن بيت الصلاة لابد له ـ في أي مسجد ـ أن يلبي الشروط الفقهية المعمول بها، والتي تكفل أن يظل المكان الشرعي لإقامة الصلاة، ولكن المسجد كله ليس هذا فحسب، وإنما هو يخاطب جماعة المصلين روحياً ونفسياً وبصرياً، ويتحاور معهم بلغة جمالياته المميزة. فهو يؤكد على هويتهم، ويتيح الفضاء الإنساني لتجربتهم الروحية، ثم هو أيضاً المعلم البارز والمميز والفريد في مجتمعهم.ومن شأن نظرة واحدة على الملامح المعمارية الفريدة لمسجد الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في منطقة الجميرا الرابعة أن توضح لنا على أي نحو بديع تختزل عمارة هذا المسجد مفردات لغة راقية للقاء بين تكامل الجوانب الوظيفية للمسجد وجمالياته المعمارية.
هذا المسجد الذي تم انشاؤه في عام 2003، والذي يتبع دائرة الأوقاف والشؤون الإسلامية، لا يمكن إلا أن يخاطب نفس من يتأمله وروحه وبصره في آن، فهو في عناقه للتقاليد المملوكية العريقة في بناء المساجد يقدم لنا كتلة معمارية شديدة القوة والتناسق، تصمد من ناحية في مواجهة ظروف المناخ القاسية، وتجمع من ناحية أخرى بين عناصر التكامل والشموخ والاستعادة الواضحة للذاكرة البصرية الإسلامية في أرقى تقاليدها.
تتوقف العين طويلاً أمام صفوف المقرنصات الرقيقة التي تصافحنا في مئذنتي المسجد وفي مدخله، ويلفت نظرنا بهاء الزخارف الخارجية لقبة المسجد البصلية، التي تعكس تفضيلاً تقليدياً في منطقة الخليج. تمتد في هذا المسجد، بلا انتهاء، تلك الموجات البديعة من الزخارف والنقوش، التي توظف عناصر الخط العربي والأشكال الهندسية والعَربسَاب والحشوات الخشبية والزجاج المعشق، من دون إفراط أو إسراف، وهو ما يصل إلى قمته الحقيقية في زخارف المحراب

