يُفهم من قوله تعالي:( قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها) الأنعام: 104، كما قال الإمام القرطبي(.. فمن استدل وتعرَّف نفع نفسه ومن عمي فلم يستدل فصار بمنزلة الأعمى فعلى نفسه يعود ضرر عماه ..)

وعندما يتحقق الإنسان أن عمره الافتراضي قد أوشك على الانتهاء، تثور في ذهنه بعض التساؤلات فإن كان من أهل الآخرة، أي ممن يرجون لقاء الله، لابد سيسأل نفسه: ترى هل فعلت كل ما كان يمكنني فعله لكي تربو حسناتي على سيئاتي؟

هل اتقيت الله ما استطعت؟ أم أنني تجاوزت حدودي ـ في بعض أمري ـ واتبعت ما أملاه علي الشيطان؟ هل اتقيت الله في خلقه؟ هل ساعدت من لجأ الي طلبا للمساعدة.. وقد كان ذلك بإمكاني؟ هل رحمت الضعيف وأعنته على أمره؟

هل أمهلت معسرا اقرضته بعض المال.. أو تجاوزت عن الدين لما رأيت من عسره؟ هل أحسنت معاملة زوجتي وكنت لها نعم الرفيق، وقدرت خدماتها لي ورعايتها لأولادي؟ هل ربيت أبنائي تربية زرعت فيهم الأخلاق الفاضلة؟ أم انني كنت قدوة سيئة لهم؟

وبالنسبة لأهل الدنيا، فالأسئلة التي سوف يطرحها الواحد منهم علي نفسه، ربما تدور حول: هل حققت لنفسي مركزا اجتماعيا مرموقا؟! هل جمعت الثروة التي كان يمكنني أن أجمعها؟! أم انني تراخيت شيئا ما، وكان يمكنني أن أجمع أكثر؟! هل تبوأت المناصب التي كنت أحلم بها أم أنني فاتتني فرصا لم استغلها وراحت لغيري؟!

هل استمتعت بما فيه الكفاية أم انه كان يمكنني ان استمتع أكثر؟! هل حياتي التي عشتها كانت حياة زاخرة بالإنجازات التي تذكر لي، أم انها كانت حياة قاحلة لم أكد أنجز فيها شيئا.. الله مدار تفكير أهل الآخرة..

والناس مدار تفكير أهل الدنيا.. وكل فريق منهم يقوم بإجراء ما يشبه الحساب الختامي لحياته.. واما يرضيه هذا الحساب الختامي أو يسخطه على نفسه، لأنه لم يفعل ما كان ممكنا أن يفعله.. يشعر الواحد من هؤلاء أو اولئك بأن هناك فرصا اهدرها ومجالات غفل عنها.. وانه كان يمكنه أن يحسن من موقفه هنا أو هناك.. سيظهر كل ذلك واضحا جليا، وسيكون ـ كما تقدم ـ إما مبعثا للرضى وإما مبعثا للسخط والندم..

أيا ما كانت الوجهة التي اختارها الإنسان لنفسه لكل وجهة هو موليها( البقرة:148)، ماذا لو قام المرء بعمل بروفة لهذا الحساب الختامي مبكرا قدر الإمكان.. ولا ينتظر به حتى قرب دنو الأجل..ليرى الايجابيات والسلبيات في حياته وسلوكياته.. فربما أفاد هذا الحساب الختامي المبكر في صحيح اشياء تتطلب التصحيح، أو في اضافات هنا وهناك.. وكذلك ربما تؤدي الى تغيير النظرة الكلية الي مفاهيم الانسان وتصوراته.. وغاياته ووسائله..

يقول تعالى: «يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين. قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون».(يونس: 57 - 58)