شهر رمضان المبارك في مدينة الموصل لم يكن عبر كل العصور مثل بقية الأشهر التي تسبقه أو التي تليه، فهو قبل كل شيء شهر الايمان والعبادة والتقوى، ومن ثم فهو شهر الزحام والحركة، وهو شهر الزيارات واللقاءات وشهر الانتشار للناس خارج بيوتهم .

حيث تضاء في المدينة مصابيح الجوامع، ويضع أصحاب المحال التجارية نشرات ضوئية خاصة على واجهات محالهم تضيء الشارع والرصيف المقابل، وهو شهر الطعام والإطعام، وهو كما يقال في الموصل «الشهر الذي تخرج فيه النقود من مخابئها».

لعبة «الفر»

كل موصلي يسهم بدوره في فعاليات هذا الشهر، وفي الجانب الذي يراه مناسبا له، والكثير من الرجال يميلون في السهرة الرمضانية إلى زيارة الجوامع لأداء صلاة العشاء ومن بعدها صلاة التراويح ، والكثير الكثير من الشباب يتجمعون في المقاهي الشعبية لأداء اللعبة الشعبية المعروفة في الموصل، وهي لعبة (الفر) التي تتشكل من فريقين متنافسين، يكون لكل منهما رئيس يسمى الـ (تيم) هو الذي يحدد أين يضع «الزار» .

وفي أي فنجان من الصينية البرونزية التي لا يزيد قطرها على 30سم وتحتوي على 11 فنجانا برونزيا يقوم الفريق بإخفاء «الزار» تحت أحد الفناجين المقلوبة في باحة الصينية متخفيا وراء ستار من القماش السميك الذي يحجب الفريقين المتقابلين عن بعضهما، ويتم تقديم الصينية بفناجينها إلى الفريق الخصم.

وعلى رئيس أو أحد أعضاء الفريق الثاني أن يضع إصبعه فوق الفنجان المقصود ثم يقوم بفتح بقية الفناجين، فإذا كانت فراسته صحيحة بوجود الزار تحت الفنجان المعني يفوز الفريق، والفوز يعني الكثير من الحلويات الموجودة على عربات الرصيف الذي تقع فيه المقهى مثل البقلاوة والزلابية والمسقول واللقم المحشوة باللوز أو الجوز أو السجقاة، والتي تسمى في الموصل تسمية خاصة (القاضي).

لم نجد تفسيرا منطقيا لها، وكذلك أنواع المكسرات كالفستق الموصلي واللوز الدهوكي والبندق الهندي وغيرها من «الجرزات» متعددة الأنواع والتي يعرفها أهل الموصل أكثر من غيرها، يتم توزيعها على الجالسين في المقهى.

اذ ان لكل مقهى رواده من الشباب وكذلك من باعة الحلوى والمكسرات من أصحاب العربات المصنوعة من الخشب والمحملة بصواني المعجنات والفاكهة وأنواع المكسرات والطيبات.

مشهد رمضاني.. متقدم

معظم الكتاب تناولوا المشهد الرمضاني أو ما يدور في فلك هذا الشهر المبارك من فعاليات إنسانية وأنشطة طقسية خاصة بمدنهم الا ان احدا منهم لم يتناول الأيام العشرة التي تسبق حلول شهر رمضان، والتي نجدها في مدينة الموصل مكملة لأيام الشهر، بل وهي الأكثر حركة ونشاطا في الفعالية الإنسانية لاستقبال شهر الصوم.

في العشرة الأخيرة من شهر شعبان تتهيأ العائلة الموصلية لإعداد عدتها لاستقبال شهر رمضان بكثير من الفعاليات الشرائية أو الفعاليات البيتية، يتقاسم جميع افراد العائلة في عمل مشترك كخلية نحل لتنفيذ فقرات الجدول الذي يبدأ عادة برب الأسرة المكلف بتهيئة المستلزمات الضرورية للبيت، مثل الزبيب الأسود الخاص بصنع الشربت .

والذي يسمى بلهجة اهل الموصل (الطحلب) وهو نوع خاص تكثر زراعته في مدينة دهوك التي تبعد عن مدينة الموصل 70 كم إلى الشمال وتشتهر بتوريد معظم احتياجات البيت الموصلي من الفاكهة مثل التفاح والعنب الأسود والاجاص والتين والرمان والجوز واللوز والبلوط والحبة الخضراء وغيرها.

احتياجات البيت الموصلي لشهر رمضان تحددها العائلة قبل حلول الشهر بأكثر من عشرة أيام لان الذي لا يقوم بشراء المستلزمات مبكرا قد لا يجدها في الأسواق بعد ايام، فالطلب يتزايد عليها كلما اقتربت حدود رمضان بالقدوم.. مادة التمر للافطار هي اهم فقرة في تلك الحاجيات.

ومن بعدها يأتي المسواق بمفرداته الكثيرة مثل الجوز والكاستر وأنواع التوابل وقمر الدين وقلائد التين المصنوعة في سنجار و (جلد الفرس) المصنعة في شقلاوة، وهي تشبه قمر الدين لكنها تصنع من الاجاص فيما تصنع مادة قمر الدين من المشمش، لذلك فان لطعم جلد الفرس نكهة غير الموجودة في قمر الدين.

المسواق مستمرء، الطحين والطرشانة وأنواع اللحوم «الضان والبقري والدجاج» التي يتوجب ان تكون جاهزة في مجمدات المنزل، والكثير الكثير من المؤونة المنزلية مثل الرز والزيوت والبرغل بأنواعه الخاصة بالطبخ أو بإعداد الكبة والعروق، وكذلك العدس الذي يعد من المواد الأساسية في مائدة العائلة الموصلية، وبدون شوربة العدس لا تكتمل مائدة الافطار الموصلية.

اما في العشرة الأخيرة من رمضان، فان واجبات العائلة الموصلية تزداد شدة من خلال تكثيف العمل المنزلي لإعداد موائد شبه جاهزة للافطار. قبل يوم على الأقل تروم المرأة فيه النزول إلى الأسواق، حيث تقوم باقتطاع جزء من نهارها للتوجه إلى «السراجخانة» وهو سوق التبضع الرئيسي للمرأة الموصلية.

فيه تجد كل مستلزماتها الجاهزة من ملابس وأحذية وحقائب يدوية وأنواع العطور والماكياج إلى جانب الأقمشة بأنواعها، لمن تفضل القيام بخياطة ملابس عائلتها بنفسها، اذ من المعروف ان المرأة الموصلية تتقن فنون الخياطة واعمال التطريز بشكل ماهر ومتطور إلى جانب إتقانها وبمستوى عال للأعمال المنزلية بإعداد وجبات رائعة من الأطعمة الموصلية والمعجنات والحلوى بأنواع وأشكال تتفرد عن مثيلاتها في مدن عراقية اخرى.

الأيام العشرة الاخيرة من رمضان تكون مخصصة لشراء الحاجيات والمستلزمات الخاصة بالعيد، فالرجل يكفل تجهيز الابناء من الفتيان والشباب، فيما تتكفل المرأة بتجهيز البنات بما يلزم من ملابس وحقائب واحذية وغيرها، وما ان ينتهي مسواق الملابس والحاجيات الا وتبدأ العائلة بحلقة جديدة تكون خاصة بمسواق العيد ومتطلباته الخاصة .

وفي هذه المرة تتجه الانظار إلى السوق الداخلية بمدينة الموصل مثل بابي السراي والطوب، لشراء أنواع التجهيزات الخاصة بحلوى ومعجنات العيد، والتي تتكون من أنواع كثيرة من المفردات إلى جانب العصائر الجاهزة والشوكولاته الموصلية المعروفة،اما بقية المعجنات فان المرأة كفيلة بإعدادها بنفسها قبيل قدوم العيد بيوم أو يومين مثل الكليجة والشكرلما والكيك والبقلاوة .

وغيرها من معجنات لا تميل المرأة الموصلية إلى شرائها من الأسواق على الرغم من ان كلفة اعدادها في البيت تكون اعلى بكثير من أسعارها السائدة في الأسواق، الا ان المرأة الموصلية تفخر كثيرا امام جيرانها وأقاربها والزائرات والزائرين من الأصدقاء بتقديم كل شيء لضيوفها تكون هي القائمة بصنعها واعدادها مشهد رمضاني يومي.

منذ اليوم الأول من شهر رمضان المبارك وحتى الثلاثين منه فإن حركة الأسواق تكون مكتظة بآلاف الرجال والنساء من «باعة ومشترين» حيث تجد الرجال في اعقاب صلاة العصر وهم يتبضعون كل ما لذ وطاب من أنواع الأطعمة اذ (تكون عين الصائم جائعة) كما يقال في المثل الموصلي «يتشهى كل شي تقع عينه عليه»، لذلك تجد الرجل محملا بعشرات الأكياس من الزلابية والبقلاوة وزنود الست والعصائر الجاهزة والزبيب وقمر الدين..

ويستمر المسواق على امتداد خطوات الرجل في السوق، تمر الدقائق مسرعة، وكل شيء يتحرك باقتراب موعد الاذان، الاف الرجال يتجولون في اتجاهات متعاكسة، يخترقون طوابير المركبات التي يجد سواقها صعوبة في اجتياز المارة المتزاحمين في نهر الشارع، لان الأرصفة في مثل تلك الأيام تكون محجوزة للباعة الجوالين الذين ينتشرون عادة في ساعات ما بعد الظهر حتى اذان المغرب طوال أيام شهر رمضان المبارك.

اما المشهد الذي يتكرر يوميا ويسجل ارتفاعا ملحوظا أو متصاعدا في العدد فانك تجده امام محال باعة الطرشي والزيتون، اذ لا تجد قبل ساعتين من موعد الافطار حيزا للوقوف أو الاصطفاف مع المصطفين بطوابير طويلة امام المحال المخصصة لبيع الطرشي والزيتون..

والمخللات في الموصل ظاهرة قد تكون غير موجودة في غيرها من المدن، وهي ان الرجل يصطفي محلا خاصا من دون المحال الأخرى للتبضع منه، فمثلا انه معتاد ان يتبضع الطرشي من المحل الفلاني، فيبقى كذلك طوال سنوات وسنوات، وكذا الحال مع القصاب وبائع الحلوى أو بائع الخضار وما إلى ذلك من المهن الأخرى الكثيرة.

الكثير من أصحاب المهن يضطرون إلى تناول الافطار داخل محالهم، مثل اصحاب المخابز والأفران والمعجنات والمطاعم والشوايين والمقاهي الشعبية وباعة الطرشي.

بغداد ـ «البيان»: