كان الإنسان البدائي يعتقد اعتقاداً راسخاً في قوة الكلمة التي تصدر عن الآخرين وأن لها تأثيراً في وقائع الحياة وظواهر الطبيعة مثل سقوط المطر وحدوث الرعد ووقوع الموت إذ كان يعتقد أن لكلمات أسن رجل في القبيلة قوة فاصلة وفاعلية تقلب حقائق الأشياء، فإذا غضب على فرد من أفراد القبيلة ووجه سخطه عليه ونزلت عليه اللعنات وأصابه الأذى وحل به الضرر وتدافعت عليه الكوارث ليس هذا فحسب بل كان يعتقد أن واقعة الموت ذاته ما هي إلا تعبير عن سخط الأم على ابنها أو شيخ القبيلة على فرد من أفرادها.
وهذا الاعتقاد ذاته ساد الحضارات القديمة فقد قام بالدور نفسه العراف في الهند وكلمات كاهنة معبد دلفي في اليونان هي التي كانت تحرك سقراط أما الحضارة الفرعونية فقد كان كهان المعابد يمثلون المصدر المعرفي الوحيد والذين يمتلكون أسرار الحياة والموت والدنيا والآخرة والفناء والخلود.
وكذلك فيما يتعلق بمجمل شؤون المجتمع والدولة ومن هنا كانت كلمتهم لها قوة نافذة ليس في جموع الشعب ذاته بل وصل الأمر إلى السيطرة على عقل الفرعون الذي كان يخضع لتوجيهاتهم ويصغي لتعليماتهم ويعمل بإمرتهم ويستشيرهم في حله وترحاله لاسيما قضايا المملكة وقصتهم مع فرعون مصر معروفة حينما تنبأوا بولادة طفل سوف يسلب عرش فرعون ومن ثم بث فرعون جنوده وجواسيسه لقتل كل طفل يولد في عرض البلاد وطولها.
والعرب في الجاهلية ليسوا استثناء من ذلك إذ سيطر الكاهن عليهم سيطرة واسعة وأسر عقولهم إذ كانوا يعتقدون أن له قدرة على التنبؤ بالمستقبل واستطلاع الغيب فكانوا يلجأون إليه في استشارته في أمورهم كافة سواء فيما يتعلق بالأمراض أو الاستفسار عن المستقبل أو التقاضي إليه واللجوء إليه في حالة الإقدام على الزواج أو العزم على السفر، الشاهد من ذلك أن الكاهن .
وكذلك العراف «إذ كانوا يعتقدون انه يعلم أمور الماضي» كانت حكمتهما نافذة ومؤثرة في حياتهم وتحدد مستقبل كل فرد من أفراد القبيلة سواء أكان من علية القوم أو من رقيقهم من الأغنياء أو الفقراء.
ولعلنا نذكر مقولة الكهان لهند بنت عتبة: أنت أم الملوك - على فرض صحة هذه الرواية التاريخية - فاعتقدت في نفسها ذلك وخططت مستقبلها على هذه المقولة وهذا دفعها إلى معاداة الإسلام معاداة عنيفة بعد ظهور الدعوة النبوية وظلت تناويء الرسول وتحرض زوجها أبي سفيان ولم تستسلم لمبادئ الإسلام إلا بعد انتصار الرسول انتصارا كاسحا ودخوله مكة منتصرا وقوله من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
ومن المعلوم أن الشاعر في العصر الجاهلي قام بدور كبير في الدفاع عن قبيلته والإشادة بأمجادها وتسجيل انتصاراتها وكان شعره يمثل ما تمثله أجهزة الإعلام الآن - فيشكل نظمه وجدان أفراد القبيلة ويلم شملهم ويوحد صفوفهم نحو هدف واحد علاوة على ذلك انه كان يعلي من شأنها ويذكر محاسنها ومفاخرها ويضعها في مصاف القبائل المستنيرة.