في كتاب (أنا) الذي تحدث فيه العقاد عن نفسه وحياته وكتبه وكتابته، وأحواله، وعيشه، وأصحابه وغير ذلك مما يتمم كلامه، وقف مع صديق له عند مجموعة من الصور لم يرتبها الكاتب الذواقة على أي نوع من الترتيب، وفي بعض ذلك الحديث المبني على الحوار:

«كانت صورة بيتهوفن تنحني إلينا كأنها تصغي إلى حديثنا فقال صاحبي: ما كان أعظم فجيعة المسكين بسمعه، وهو السفير بينه وبين عالم الأصداء والأصوات. لو كان هو الذي أمامنا ولم تكن تلك صورته لما سمع من حديثنا أكثر مما سمعت هذه الصورة الصماء!...».

وسأله صاحبه: هل خطر لك أن توازن بين أصحاب الصور وأن تسأل نفسك أيهم أعظم وأيهم أحق بالإكبار والإعجاب؟ فأجاب العقاد: «لا يخطر لك على أية حال أنني أنزل بقدر الموسيقي العظيم عن حال المصلح العظيم أو الزعيم العظيم.. إن الأئمة الموسيقيين أندر في العالم من أئمة الاجتماع وأئمة السياسة...».

وسأله صاحبه عن صور الثلاثة: من أعظمهم في موازين الرجال؟

وأشار إلى: جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وسعد زغلول، فقال العقاد: «أعظمهم أثراً في قطر واحد هو سعد زغلول، وأعظمهم أثراً في جميع الأقطار هو جمال الدين، وأعظمهم نفساً فيما أرى هو محمد عبده: أوسط الاثنين...» في كلام طويل دقيق.

قال العقاد: وتحول صاحبي إلى صورتي فقال وهو يردد النظر بيني وبينها: لقد سألتك عن صور غيرك فمالي لا أسألك عن صورتك؟ كيف ترى صديقك الفنان قد مثلك (رسمك أو صورك) في هذه الأصباغ والألوان؟

«قلت على شرطي في كل تمثيل. وشرطي في الممثل القدير على المسرح أنه هو الممثل الذي يمثل لك ما لا يقال، أو هو الممثل الذي يشغل فراغ القول بين عبارة وعبارة من كلمات المؤلفين، واستطرد في الكلام حتى قال:

«وكذلك أرى صورتي كما صورها صديقنا الأستاذ صلاح لأنه يمثل القابليات قبل تمثيل الملامح والمحسوسات، فليس في الصورة حالة محسوسة عني بها دون غيرها، ولكن ما من حالة قد تطرأ على النفس إلا نظرت إلى الصورة فرأيتها قابلة لها، موافقة للتعبير عنها.

وهذه هي ملكة الإيحاء التي تشترط في جميع الفنون، فما تحبسه الكلمات والأصباغ من المعاني أو الملامح أقل في العمل الفني مما ينطق به الخيال أو يسترسل في تداعي الخواطر والأفكار».

ومن وراء هذه النظرة الدقيقة إلى براعة المصور في التقاط الصورة النفسانية قبل الصورة الجسمانية نظم قطعة عنوانها: «عند تمثال»، وفيها:

وقف الطفل وقفة التفكير

عند تمثال عالم مشهور..

سائلاً أمه وقد هاله ما هال

من ذلك الجماد الجهير

فأجابته: ذاك طفلٌ كبير

أتقن الدرس في كبار الأمور

قد أتوه بهذه اللعبة الكبرى

تسليه في ظلام القبور

أفترضى مثاله؟ قال لا يا

أم إني أراه غير جدير!

لا أرى فيه مسحةً من جمالٍ

تتجلّى أو نفحة من سرور!

وقرأت للعقاد نصاً غريباً في ديوانه (عابر سبيل) عنوانه: «فتنة الصور المتحركة وهو يعني الأفلام السينمائية، لأن الفيلم يظهر للمشاهد على هذه الحالة الحية نتيجة حركة (دوران) شريط الفيلم، قال:

إلى أين تهرع هذي الفتاةُ

وهذا الفتى أين يبغي المفر

سِراعاً إلى الصّور الناطقاتِ

تحكي الغرامَ وتحكي الخطر

لقد أصبحوا صوراً مثلها

فلا عجبٌ يعشقونَ الصور!

هم الناس لم يبق إلا صدى

تفشّى وإلا طلاءً ظهر!

والعقاد يرصد جانباً سلبياً في مرحلة من مراحل إقبال الناس على دار الخيالة كما يقال فيها أو: السينما، كما هو مشهور، وسماها النقاد: الصور المتحركة، وهو لا يعني ما عُرف بأفلام الكرتون. و(عابر سبيل) من دواوين العقاد القديمة، وملاحظته تدخل في النقد الاجتماعي مثلما تدخل في النقد السينمائي أيضاً.