ولما رأت قريش أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد هاجروا إلى الحبشة ثارت ثائرتها أن نجا هؤلاء من قبضتها وإيذائها قررت إرسال مبعوثين إلى النجاشي يحملان معهما الهدايا رجاء أن يخرجهم من أرضه وبلاده وكان النجاشي يحمل إيماناً مستنيراً وكان في قرارة نفسه يعتنق مسيحية صافية واعية وكان ذكره يسبقه وسيرته العادلة تنثر عبيرها في كل مكان تبلغه.

من اجل هذا اختار النبي صلى الله عليه وسلم بلاده دار هجرةٍ لأصحابه وحط الرسولان رحلهما في بلاد الحبشة ونثرا الهدايا بين الأساقفة وكبار رجال الدولة ومضيا يوغران الصدور ضد المسلمين المهاجرين وحدد يوم للمقابلة والمحاورة ووقفا مبعوثا قريش أمام النجاشي ليقولان له (أيها الملك إنه قد أتى إلى بلدك غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك بل ابتدعوه وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم لتردهم إليهم) فقال النجاشي:

ما هذا الدين الذي خالفتم به قومكم واستغنيتم به عن ديننا ونهض جعفر في تؤدة وجلال وقال: «يأيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف حتى بعث الله لنا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الأرحام وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء فصدقناه وآمنا به فغدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا فلما قهرونا وظلمونا خرجنا إلى بلادك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نُظلم عندك.

وسمع النجاشي بعض آيات القرآن في أداء عذب وخشوع آسر فبكى النجاشي وقال: إن هذا الدين والذي جاء به عيسى لَيخرج من مشكاة واحدة انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما أبداً».

ويوم خيبر كان النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه يحتفلون بفتح خيبر وإذا جعفر يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم قادماً من الحبشة ومعه أصحابه فقام النبي صلى الله عليه وسلم وعانق ابن عمه في سعادة غامرة وهو يقول «لا أدري بأيهما أُسَر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر» وفي غزوة مؤتة تقدم جعفر إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

وهو يرجو أن يجعل له في هذه الغزوة مكاناً فجعله النبي صلى الله عليه وسلم القائد الثاني فقال (عليكم بزيد فإن قُتل زيد فعليكم بجعفر فإن قُتل جعفر فعبد الله بن رواحه) والتقى الجمعان في يوم رهيب وسقط الشهيد الأول ( زيد بن حارثة) وما كادت الراية أن تسقط حتى أخذها جعفر وتكاثر عليه الروم ورأى فرسه تعوقه عن الحركة فنزل وانطلق وسط الصفوف يقاتل طالباً الشهادة وهو يقول:

يا حبذا الجنة واقترابها

طيبة وبارداً شرابها

والروم روم قددنا عذابها

كافرة بعيدة أنسابها