في مكة - أم القرى - التي انبثق فيها فجر الإسلام في العقد الأول من القرن السابع الميلادي كان العرب يتخذون لخدمتهم العبيد والإماء و حتى نسلهم يصبحون عبيدا لهم يستذلونهم ويعتبرونهم من سقط المتاع، وليس هذا فحسب بل ان الذين يأسرونهم في الحرب التي كانت تنشب بين القبائل يعتبرونهم أيضا رقيقاً ويسري فيهم ما يسري على غيرهم.
واذا أراد احدهم ان يحرر نفسه من ربقة العبودية فعليه ان يدفع مقابل ذلك المال الكثير الذي لم يكن بالطبع في مقدوره ان يدفعه لانه لا يملكه فهو يعمل مسخرا لسيده الذي إما ان يكون قد اسره في حرب او اشتراه بماله من سوق بيع العبيد المنتشرة في كافة الأنحاء.
ويظل الحال على هذا المنوال أجيالا وأجيال الى ان جاء الإسلام فدخل فيه هؤلاء المستضعفون ليجدوا في كنفه الحقوق الإنسانية في العدل والحرية والإخاء والمساواة وما الى ذلك من الحقوق التي تكفل كرامة الإنسان وتوفر له حياة إنسانية كريمة.
اذن فالاسلام قد سبق الى إقرار حقوق الإنسان قبل هؤلاء الذين يدعون ان لهم السبق في هذا المضمار بستة قرون تقريبا فالغرب وضع قانونا لحقوق الانسان في عام 1215م وقد صدر هذا القانون في انجلترا لتسجيل حقوق النبلاء في وجه الملك .ذلك القانون الذي احتاج الى جهود وتضحيات ـ كما يذكر المؤرخون ـ لتثبيته وقيل ان الملك انذاك تجرع هذا الأمر بمرارة .
وقال: «لقد جعلتم مني عبدا خاضعا ـ للارذلين ـ في البلاد وعلى ذلك فان الملك كان ممتعضا مما حصل عليه ـ الارذلون ـ على حد تعبيره من حقوق بينما حقوق الانسان المعلنة في الإسلام كانت موضع ترحيب من نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وصحابته.
وتجدر الإشارة الى ان ذلك القانون الذي صدر في انجلترا واشرنا اليه وامتعض الملك مما جاء فيه كان يطلق عليه «العهد الاعظم» وبعد اكثر من خمسمئة عام أعقبه اعلان لحقوق الانسان صدر في 1776م في أميركا بعد استقلالها ينص على المساواة فهل كان ذلك الإعلام موضع التنفيذ؟
ان الإجابة تصدر عن الواقع المعيشي في أميركا نفسها وفي خارجها من خلال هذه الممارسات اللا اخلاقية والتي تتنافى تماما مع ما يتشدقون به ثم صدر بعد ذلك قانون بحقوق الانسان بعد قيام الثورة الفرنسية وظل الامر يتدرج تباعا الى ان صدرت وثيقة حقوق الإنسان من الامم المتحدة في العاشر من ديسمبر 1948 بعد انشاء المنظمة الأممية بثلاث سنوات ولكن!!
ومنذ ان اصدرت الهيئة الدولية هذه الوثيقة للحقوق قبل اكثر من نصف قرن هل نزلت هذه الحقوق التي جاءت في الوثيقة الى ارض الواقع؟ ان ما نشهده من خروقات وتجاوزات لهذه الحقوق وما اكثرها فهي تفوق الحصر وليس آخرها بالطبع ما حدث من الحلف الصليبي ـ الصهيوني عشية هذا الشهر الفضيل في غزة وفي لبنان بأشمله من تقتيل ودمار بحجة الافراج عن جندي لدى حماس وجنديين لدى حزب الله وهي ذريعة تستوجب الضحك ومن البلية ما يضحك.
ان المشاهد المقززة التي يشاهدها الناس على شاشات التلفاز تؤكد ان هذه الحقوق المزعومة ما هي الا بنود على الورق فقط بل ان الكيل بمكيالين والتعسف والاستبداد والظلم الذي يمارس على المستضعفين من طواغيت القوى الدولية والاجتياح هذا هنا.
والاحتلال هناك لو ان طواغيت العصور الغابرة من امثال النمرود وفرعون وجانكيز خان وهولاكو شهدوه لاعتبروا انفسهم تلاميذ لاساتذة الجبروت هؤلاء، هذا عدا عن ممارسات التفرقة العنصرية التي تمارس علنا وجهارا في بلادهم تذكر الوقائع ان وزير مالية احدى الدول الافريقية السوداء طرد من احد المطاعم في الغرب لان لون بشرته سوداء «تذكروا ان الذي طرد وزير دولة عضو في الامم المتحدة ولها اعتبارها».
يذكر لنا التاريخ الإسلامي والسيرة ان امير المؤمنين عمر بن الخطاب استأذن في الدخول عليه بلال بن رباح وابوسفيان في وقت واحد فاذن لبلال اولا في الدخول عليه واخر ابا سفيان فغضب هذا الاخير من ذلك.
وكان وقتها لايزال يحمل رواسب عنجهية الجاهلية فذكر له عمر انه قدم بلالا عليه لسبقه في الإسلام فقد اسلم بلال في مكة منذ فجر الدعوة ولاقى من التعذيب في سبيل العقيدة ما لاقى وقد اشتراه ابوبكر الصديق رضي الله عنه من سيده أمية بن خلف بالثمن الذي طلبه واعتقه، بينما أسلم ابو سفيان بعد فتح مكة، أي بعد اكثر من عشرين عاماً من عمر الدعوة.
وهذا شاهد على احترام حقوق الانسان عملاً لا قولاً، بلال العبد الحبشي كرمه الإسلام فقدمه رئيس الدولة على من كان يتولى زعامة قريش في الجاهلية، بل هو سيد من سادتها المرموقين، ما هذا؟
انها المساواة التي قدمها الإسلام ومنحها دون ان يطالب بها احد من المسلمين ودون ان يراق من اجلها دم او تنظم من اجلها التظاهرات او تقع صدامات. انها هدية من الدين القيم، دين الفطرة السليمة والرقي المادي والروحي. وعظمة حقوق الانسان في الإسلام انها دخلت حيز التنفيذ بمجرد اعلانها.
وجاء تنفيذها لتشمل الانسانية جمعاء، «لا فرق بين عجمي وعربي ولا بين اسود وابيض الا بالتقوى» ان الإسلام رحمة للعالمين. قال تعالى: «وما ارسلناك الا رحمة للعالمين» سورة الأنبياء ـ الآية 107. يقول الدكتور عبدالمنعم النمر رحمه الله «هذه الحقوق للانسان نفذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته وخلفاؤه والتابعون وبنوا على أساسها دولتهم» ولنا وقفة اخرى مع تفاصيلها.