اتفقنا على أن نقف جميعاً أمام المرآة لنرى عيوبنا ونضحك على أنفسنا قبل أن نضحك من عيوب الآخرين، أو يضحك علينا الآخرون. وعلى كل من يرى نفسه كامل الأوصاف أن يتركنا وشأننا ويعيش أوهام كماله الذي لا يعتريه النقص ويبقى على ما هو عليه حتى يقضي الله أمراً به.

كنا منذ عقدين أو أكثر نعيب على الغرب قلة أدبه وإباحيته وخروجه عن المألوف الديني والأخلاقي، حتى بدأت ثورة الاتصالات ورحنا جميعاً نرى أنفسنا والآخرين عبر التلفزيون والصحف والانترنت والموبايل، ورافق كل هذا «فذلكات» تقدم نفسها على أنها «فلسفات» تبرر سيول الإباحية الجارفة وتعتبر أن الجنس كالأكل تلبية لحاجة طبيعية وأن مشاهد الإباحية لا تختلف عن مشاهد قوم يجلسون في مطعم ويأكلون الطيبات.

لقد أكرم الله بني آدم باللباس الذي يستر العورات ويجمل الناس، ولا أظن أن منظر شارع يمشي فيه قوم عراة مما يلذ للأنفس، ولكن شياطين الجن والإنس وعفاريت القلم والإعلام راحوا يهوون بمعاولهم على جدراننا الأخلاقية وغيرها مما يتصل بالذوق العام، حتى تصاعدت من الرؤوس أبخرة الشهوات وتقلص أكثرنا إلى مجرد أعضاء تمارس شهواتها.

لم تعد الإباحية والدعوة إليها نوعاً من «الفاحشة» بل صارت مؤشراً للتقدم الذي يعني من ضمن ما يعنيه الحرية الجنسية للجميع، وتحول الناس إلى قرود عراة إن لم نقل إلى أسوأ، لأن القرود ما زالت تحتفظ بشيء من الحياء فتغطي وجوهها بأكفها عندما ينظر إليها ناظر في وضع محرج، أما الناس ممن يؤمنون بالحرية الجنسية فقد بلغوا حداً من «الوقاحة» و«التمسحة» نسبة إلى التمساح غليظ الجلد مما يؤثر على حساسية اللمس والوخز والوكز، لم تصل إليه البشرية في يوم من الأيام.

يحضرني هنا قول قديم: إذا حدثتك نفسك بمعصية فتذكر أخلاق الرجال، فإن لم ترجع فتذكر الحق عز وجل وعقابه، فإن لم ترجع فأنت حيوان لا أمل فيك - مع الاعتذار للحيوان الذي لوحظ على كثير من أنواعه ألواناً من الحياء والوفاء - فأين نحن من هذه الأنواع الثلاثة.

عندما مررنا بمرحلة المراهقة لم تكن في أيامنا هذه الإباحية المألوفة البريئة التي نراها اليوم ويدافع عنها كثيرون، ومع ذلك أنجانا الله من فتن وفضائح كان يمكن أن تقلب حياتنا رأساً على عقب، فما الذي ننتظره من مراهقينا اليوم وقد ملأنا الأرض والفضاء بما يثير غرائزهم؟! يجب ألا نخجل كثيراً إن دخل علينا مراهق من أبنائنا يوماً بمصيبة تسيء إليه وإلينا لأننا لا نفعل شيئاً في مواجهة قلة الأدب الزاحفة إلينا وفينا.

المصيبة أن قلة الأدب هذه صارت موضع استثمار لأصحاب الأموال، حتى عجزت الهيئات الأخلاقية والدينية عن فعل شيء، وتحول الأمر إلى شيء أشبه بالمشاعية الجنسية وتحولت المرأة إلى سلعة تباع وتشترى أو تروج لبضائع تباع وتشترى الأمر الذي يذكرنا بأسواق النخاسة.

سنؤجل الحديث عن «الفذلكات» المؤسسة لهذا الطوفان الجنسي إلى موضع آخر، وسنطلب من كل فرد منا أن يقف أمام مرآة نفسه ليرى كم يحوز على نصاب من قلة الأدب هذه بعيداً عن النفاق الاجتماعي والأسري. ألا «يبصبص» أكثرنا إلى أجساد النساء في الشوارع والمراكز والمسابح والفنادق؟

ألا نجلس طويلاً إلى أغاني «العري كليب»؟ ألا نجلس إلى «الانترنت» ونبحث عن المواقع الإباحية ولعابنا يسيل كالكلاب ثم نقفل الكمبيوتر عندما يدخل علينا داخل؟ ألا نعيش ازدواجية شخصية بين القيم التي نؤمن بها وندعو إليها وأفعالنا التي ترتخي منها المفاصل؟ ألسنا اليوم نعيش مشكلة مع جيل هازل منعدم الأدب والأخلاق والدين والمشاعر الوطنية والقومية.

ثم كيف لا يزهد الرجل منا بحلاله وحوله الفاتنات المغريات في كل مكان، على نواصي الشوارع وعلى شاشات التلفزيون، وكيف تتماسك الأسر والرجل يستعرض كل يوم عيوب زوجته الجسدية والخلقية أمام من يظن أنهن أجمل وأمهر وأكمل.

قلة الأدب هذه تحولت في أيامنا بفعل الألفة والعادة إلى مألوف لا يجد من يعترض عليه، لأننا جميعاً أقزام أمام شهواتنا لا نملك أن نضبط منها شيئاً، بل تحولت قلة الأدب هذه إلى موضوع للأدب والفنون نستظرفها ونجلس جميعاً آباء وأمهات وأولاد لمشاهدتها، أما غض البصر وتجنب الفاحشة والزنا - وزنا العين النظر- فهي لغة باتت قديمة وفاسدة ومملة لم يعد يستمع إليها أحد.

أخي القارئ لا تغلب الحياء عليك فيأخذك من ضحك على نفسك وعلينا جميعاً أردته لك، فأنت لا ينطبق عليك المثل القائل «الضحك بدون سبب قلة أدب» لأن ضحكك له ألف سبب وسبب.