قال الله تعالى: «فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم» (البقرة: 17)، قرأ الجمهور: «ذهب الله بنورهم». وقرأ اليماني: «أذهب الله نورهم»، فما الفرق بين القراءتين؟
ويُجاب عن ذلك بأن الباء في «بنورهم» للتعدية، وهي عند سيبويه، وجمهور النحويين ترادف الهمزة. فإذا قلت: خرجت بزيد، فمعناه: أخرجت زيداً، ولا يلزم أن تكون أنت خرجت معه. فعلى هذا تكون الباء مرادفة للهمزة؛ ولهذا لا يجمع بينهما، فلا يُقال: أذهب الله بنورهم. ودليلهم على ذلك قراءة اليماني: «أذهب الله نورهم».
وذهب أبوالعباس المبرد إلى أنك إذا قلت: قمت بزيد، دلّ على أنك قمت، وأقمته.. وإذا قلت: أقمت زيداً، لم يلزم أنك قمت معه. ففرّق بين الباء، والهمزة في التعدية. ووصف أبو حيان مذهب أبي العباس بأنه فاسد من وجهين: أحدهما: أن معنى ذهب الله بنورهم: أذهب الله نورهم. والثاني: أن الله تعالى لا يوصف بالذهاب مع النور.
وأجيب عن الثاني بأن ما ذكر لا يلزم أبا العباس، إذ يجوز أن يكون الله تعالى وصف نفسه بالذهاب على معنى يليق به؛ كما وصف نفسه تعالى بالمجيء في قوله: «وجاء ربّك والملك صفاً» (الفجر: 22).
وأجاب الزمخشري عن الأول بقوله: «والفرق بين أذهب وذهب به، أن معنى أذهبه: أزاله وجعله ذاهباً. ويُقال: ذهب به، إذا استصحبه، ومضى به معه. وذهب السلطان بماله: أخذه ومنه: «فلما ذهبوا به» (يوسف: 15) ـ «إذاً لذهب كل إله بما خلق» (المؤمنون: 91). ومنه: ذهب به الخيلاء». ثم فسّر الزمخشري قوله تعالى: «ذهب الله بنورهم»، فقال: «والمعنى: أخذ الله نورهم وأمسكه، «وما يمسك فلا مرسل له» (فاطر: 2)، فهو أبلغ من الإذهاب».
فثبت بذلك: أن «ذهب بالشيء» أبلغ من «أذهب الشيء»، وأصلهما جميعاً: الذهاب، الذي هو المضيّ. وكلاهما متعدٍّ إلى المفعول: الأول بنفسه، والثاني بوساطة الباء. وأن نسبة الإذهاب إلى الله تعالى حقيقة، لا مجاز، إذ هو فاعل الأشياء كلها.
ونظير ذلك قول الله تعالى: «ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم» (البقرة: 20). وهو في قراءة ابن أبي عبلة: «لأذهب بأسماعهم»، بزيادة الباء، كقوله تعالى: «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» (البقرة: 195).
وفي ذلك رد على من قال: لا يجمع بين الهمزة، والباء. أما حملهم هذه القراءة على زيادة الباء، لتأكيد التعدية. أو على أن «أذهب» لازم بمعنى «ذهب»، لأنه لا يجوز الجمع بين أداتي تعدية فهو من تحكّم النحاة.