«وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، وكلا منها رغدا حيث شئتما» كما يطلق الزوج في الأعداد على مجموع الاثنين: يطلق على الواحد منهما باعتباره مكملاً لصاحبه زوجاً فلم يعد فرداً واحداً وقد انبثقت الجماعة الإنسانية من زوج وزوجة كما نعلم، ثم امتد هذا الأصل حتى كان محلقاً في الدنيا بالقبائل، والشعوب وبألوان الحياة وهذا ما يجمعه القرآن في قوله تعالى « يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل».

فإن تكن هذه الشعوب والقبائل فروعاً محدودة هنا وهناك، فالأصل فيها زوجية بين ذكر وأنثى. والقرآن الكريم يتجه نحو هذه الزوجية بشيء غير قليل من عنايته، ويتحدث عنها في تصرفات متنوعة، حتى ذكر لفظ الزوجية في الجانب الإنساني أكثر من خمسين مرة..

وسلك بنا في شأنها مسالك عدة: لنقف على وجهة الإسلام في شأن الزوجية من كل مرة، ونكون على تمام المعرفة بهذه العمرانية التي أقيم عليها البناء الضخم في تكوين المجتمع البشري. ويسير بنا القرآن في اتجاهات أصيلة، لا يقل أحدها عن الآخر.

فهو يذكرها - أولاً- في سياق الامتنان بما فيها من بهجة واطمئنان، منذ انعقدت الزوجية في صدر التاريخ بين آدم وحواء.. ومنذ اعتبر هذا الارتباط عيداً شخصياً للزوجين.. حتى جعل الله الوئام بينهما، في ظلال الجنة: بين طيبات من الرزق، وألوان من المتاع، والغبطة «وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما».

وفي هذا التعبير إثارة للمسرة في نفس آدم بأول متعة جنسية يصادفها.. وفيه إشعار له ولزوجه بأن الهناءة لا تكون في وحشة الانفراد، وإنما تكون توافقاً بين الزوجين في استقبال الحياة المشتركة، وتبادل البهجة، والامتزاج في أنس الاجتماع والمجانسة في الميول، حتى ولو في رحاب الجنة وذلك ما يصرح به القرآن في قوله تعالى :

«ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً، لتسكنوا إليها» «هو الذي خلقكم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها ليسكن إليها».

فالسكون هو الهدوء من الحركة، والسكن الروحي هو الاطمئنان إلى الزوجة وهدوء الخاطر بجانبها من شواغل الحياة في مجال الأعمال والكفاح. وذلك سكون يلتمسه الزوج في مأواه الخاص به وبزوجته.

وفي ظلال هذا السكون يتوثق الرباط الزوجي، وتأتلف العواطف، وتنشأ المودة، والتراحم بين الحليلين «وجعل بينكم مودة ورحمة».

وقال تعالى «يأيها الناس، اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء».

فالأب واحد، والزوجة مشتقة منه في أول وجودها، ثم هي ثانية اثنين معه وفي هذا تزكية ثانية للإنسان بتأكيد نسبه من طريقها المشروع.

فالزوجية الصحيحة هي التربة الخصبة لإنبات البنين والحفدة، وهؤلاء هم السلسلة الإنسانية في نظمها الصحيح.

وهم الذين يتشعبون إلى فروع شامخة في الآدمية الكريمة: لا يغض منها وضاعة النسب الملفق على غير تنسيق مشروع «وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً».

وإذا كان هذا كله تعزيزاً للإنسان، وتكريماً له على سواه في العالم الأرضي، فكيف لا يكرم الناس أنفسهم في تكوين أسرهم، ومجتمعهم وكيف يبنون الإنسان على شبه من الباطل، بعد أن عاهد الله خلقه بتشريعه للزوجية أن يبنوها على حق صراح.

إن الزوجية في نظر الدين، وفي نظر الواقع من حياتنا كمال ضروري للإنسان : رجلاً أو امرأة.. فإن الإنفراد شقوة كما نشهد، أو هو على الأقل نقصان في المتاع حتى ولو كان في الجنة.

وإن الزوجية حصانة من مطاوعة الغريزة في جموحها.. وفيها للشبهة وفيها وقاية للسمعة من قاله السوء. وإذا كان جسم الإنسان بحاجة قصوى إلى لباس يقيه البرد والحر، وعاديات الهوام، ويضفي عليه جمال المنظر، حتى لا يكون شبيها بالحيوان في ابتذاله، وتكشف سوءاته. فإن القرآن يعتبر الزيجة وقاية للإنسان من وساوس الشيطان في حياة العزلة، ويحفظ عليه ثقة الناس من ناحية العفة، والصيانة، والاعتصام بالكرامة.

وهذا ما عناه القرآن فيما نفهم من قوله تعالى عن الزوجات «هن لباس لكم»ومن قوله تعالى عن الأزواج :«وأنتم لباس لهن».فكل من الزوجين وقاية للآخر من نقائص كثيرة، كما يقيه اللباس من أضرار حسية، وكل من الزوجين حلية وجمال للآخر، كما يكون اللباس حلية، وحمالاً للإنسان.

فقول الرسول صلى الله عليه وسلم «من تزوج منكم فقد حفظ نصف دينه، فليتق الله في النصف الآخر. يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن نصف الدين في صيانة العرض بالعفة. فحديثنا عن الزوجية في الدنيا إنما نعني به الزوجية البريئة من الزيف، ومن كل خسيسة يأباها الدين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : الدنيا متاع، وخير متاعها الزوجة الصالحة للزوجية.

والزوجية على هذا النحو مرجوة بين الزوجات الطيبات، والأزواج الطيبين، ولا مطمع فيها بين الزوجات الخبيثات والأزواج الخبيثين.

وما ينبغي لمن عرف شأن الزوجية وخطرها أن يتجه رجل طيب إلى زوجة خبيثة فإن الله يقول «الخبيثات للخبيثين»فكلاهما أشبه ببعضهما. وكذلك ما ينبغي أن تتجه امرأة طيبة إلى زوج خبيث.. فإن الله يقول «والطيبات للطيبين»وكلاهما أولى ببعضهما.

لذلك وضع الله لنا وقاية من سهام الشيطان، فأوصانا بحسن العشرة والترفق بالزوجات وأن نحتكم إلى عدول نختارهم من الأقارب، أو من في حكمهم لإصلاح ذات البين، حتى لا تتهدم الحياة الزوجية لأي نفخة ينفخها الشيطان في عقدة الزواج بعد أن وثقها الله بين الحليلين.