الحلم سيد الأخلاق جميعها، وعلامة للصابرين المحتسبين، وهو منزلة بين رذيلتين :الغضب والبلادة، فإن استجاب العبد لغضبه بلا تعقُّل وتروٍ كان على رذيلة، وإن رضي بالظلم والهضم وانتهاك الحرمات فهو أيضاً على رذيلة. فالحلم إذاً التأني وضبط النفس والطبع عند هيجان الغضب، لذا يبدأ بكظم الغيظ والنظر في عواقب الأمور.

ومن ثَمّ وضع الشيء في موضعه، وهو يجمع بين التدبر والتبصُّر والتأمل والتمهُّل مما يدل على صحة العقل والإرادة القادرة على التحكم في النفس وضبط الانفعالات مما ينتج عنه الرفق واللين - اللذان ما وضعا في شيء إلا زاناه - وعدم مجابهة الجاهلين (الطائشين المندفعين) بمثل سلوكهم ولكن بالإعراض عنهم وعدم الانتقام منهم للنفس تطبيقاً عملياً لقوله «خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين» فالحليم لا تستفزه شتائم الجهال مثلما لم تُطِشْ حلمَ هود عليه السلام حين سبّه قومه وقالوا :

«إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين» فنفى مقولتهم بهدوء الواثق :«قال: يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين، أبلّغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين».

لذلك نجد الحليم واثقاً بنفسه متجاوزاً عن أخطاء الحمقى الطائشين، يلتمس لأغلاطهم المبررات فلا يشتط به الغضب ولا يتملكه الغيظ، بل يدعو لهم بالهداية والصلاح مَثَله الأعلى في ذلك وقدوته النبي صلى الله عليه وسلم الذي تفوح سيرته بشذى الرحمة وعبق الأناة ومقابلة الإساءة بالإحسان، ومن دلائل ذلك موقفه مع أهل مكة، بعدما أُخرج منها وهي أحب البلاد إليه، وجاء النصر من الله المُعّز سبحانه وتعالى بفتحها، قام فيهم قائلاً :«ما تظنون أني فاعل بكم؟» قالوا :

خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال:«أقول كما قال أخي يوسف: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللَّه لكم وهو أرحم الراحمين)، اذهبوا فأنتم الطلقاء»، بل كان صلى الله عليه وسلم يواجه المواقف الاستفزازية والتصرفات الشائنة المثيرة ببسمة تنم عن حلم وهدوء وحسن خلق ورُقي معاملة فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال :

«كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه بُرْد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثّرت بها حاشية البُرد من شدة جبذته ثم قال :

(يا محمد مُر لي من مال الله الذي عندك)، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك ثم أمر له بعطاء» فانظر كيف قابل النبي الحليم غلظة الأعرابي في جبذته له وسوء أدبه في النداء والطلب إذ قال: (يا محمد) مما جعل الصحابة في غضب شديد من هول هذا الأمر، وفي دهشة من ضحك النبي صلى الله عليه وسلم وعفوه وحلمه وأمره إياهم أن يعطوه من بيت المال.

ولما كُسِرت رُباعيته صلى الله عليه وسلم وشُجَ وجهه يوم أُحد، شَقَ ذلك على أصحابه، وقالوا: يا رسول الله ادعُ على المشركين، فأجاب أصحابه قائلاً لهم :«إني لم أُبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة»، وبعد الذي لاقاه من إيذاء ثقيف وجاءه جبريل يخبره بأن الله بعث ملك الجبال برسالة يقول فيها: إن شئت يا محمد أن أطبق عليهم الأخشبين، فعفا عنهم قائلاً :«أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً» .

وفي هذا بيان لمدة ارتباط الحلم بالرفق والصفح والعفو وعفة اللسان، فالحليم لا يعشق الانتقام ولا يحمل في قلبه الحقد مدركاً أنه مُنِح صفة حبيبة إلى الله عز وجل فروى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد قيس:«إن فيك خصلتين يحبهما الله :الحلم والأناة».

لذا كان الحلم والعفو سمت الصحابة، فرأينا أبا بكر الصديق رضي الله عنه يعفو عن قريبٍ له كان يعيش على إحسانه ورغم ذلك لم يتورع عن الخوض في حادثة الإفك والخبط في عرض ابنة من يكفله (أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها)، فبعد أن قرر الصديق قطيعته وترْكه نزل قوله تعالى :

«ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم» فرجع الصديق لعطائه قائلاً :«إني أحب أن يغفر الله لي».

ما أحوجنا إلى التحلي بالحلم واللين الذي يؤلف بين القلوب ويزيل الأضغان والإحن ويعالج أمراض النفوس وفوق كل هذا يُحرّم النار على صاحبه فعن ابن مسعود رضي الله عنه فيما رواه الترمذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ألا أخبركم بمن يحرُم على النار ـ أو بمن تحرم عليه النار ـ؟

تحرم على كل قريبٍ هينٍ لينٍ سهلٍ»، فهلا اتصفنا بالحلم ونزعنا من نفوسنا الغضب عملاً بوصية النبي لمن طلب منه ذلك دون إكثار فقال له «لا تغضب»، لما في الغضب من إثارة للسباب واللعن وهذا ليس من شيم المؤمنين «ليس المؤمن بطعان ولا لعان ولا فاحش بذيء».

كما أن اللعن يعود على صاحبه إن يكن الذي لُعن أهلاً له مثلما أوضح النبي فيما رواه أبو داود «إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء فتُغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض فتُغلق أبوابها ثم تأخذ يميناً وشمالاً فإن لم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لُعن، فإن كان أهلاً.. وإلا رجعت إلى قائلها».