لفظ الجلالة هو الاسم الأعظم، وهو العلم على الذات العلية، ترد إليه جميع الأسماء والصفات، فيه تتجلى آيات الجلال والكمال والجمال، وبنوره استنارت جميع الكائنات، فهو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.
فكلمة التوحيد: «لا إله إلا الله» هذه هي أعظم كلمة نطقت بها الألسنة، وشهدت بها القلوب واستوعبتها البصائر النيرة، وأقرت بها العقول المبصرة، واستعذبتها الآذان الواعية، وخشعت لها الجوارح كلها، وامتلأت بجلالها وجمالها الضمائر اليقظة والقلوب المطمئنة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله». نعم هي أفضل كلمة قالها النبيون، لأنها هي أصل دعوتهم وخلاصة رسالتهم فما من نبي ولا رسول إلا قال لقومه: « اعبدوا الله ما لكم من إله غيره». إنها الكلمة التي شهد الله بها لنفسه، وشهدت بها ملائكته، وشهد بها أولو العلم من خلقه، فكانت أعظم شهادة في الأرض والسماء، وأكبر شهادة يعتز بها المؤمنون في الدنيا والآخرة.
يقول الله عز وجل في سورة آل عمران: ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ).
فمن شهد أنه لا إله إلا الله فقد وافق الله عز وجل في شهادته لنفسه، ووافق الملائكة في شهادتهم لربهم بالوحدانية، وكان من أولي العلم لأن الإقرار بالوحدانية لا يبنى إلا على العلم، ولا تتأتى ثماره إلا بالعلم ولهذا قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:
( فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم).
إن الإيمان بلا علم كشجرة بلا ثمر، أو كجسد بلا روح. ومن هنا سمي أهل التوحيد العارفين بالله، فهم قد وحدوه بعد أن عرفوه.
ولذلك يجب علينا أن نتعلم أصول التوحيد وشروطه وآدابه وقواعده وضوابطه - حتى تكون شهادتنا له بالتوحيد شهادة صحيحة، فالشهادة لا تصح إلا بعلم، فكيف يشهد لله بالوحدانية من لم يعرف أن الله متصف بكل كمال، ومنزه عن كل نقص، وأنه ليس كمثله شيء وأنه الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله.