إذا كان من الصعب إلقاء تبعة التوتر في العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب إلى تطورات الحقبة الراهنة فإن النظر في التاريخ يشير إلى ما يمكن اعتباره مجموعة محطات أساسية ألقت بتأثيرها السلبي على الإدراك المتبادل لدى الطرفين..
وإذا كان من الصعب إجمال الحديث عن هذه المحطات في حيز ضيق فإننا نشير باختصار إلى أبرزها ألا وهى الفتح الإسلامي لاسبانيا في القرن السابع الميلادي والذي عزز الصورة السلبية للإسلام في الغرب وفكره كونه يمثل خطرا.
وفي هذا الصدد يشير المفكر التونسي هشام جعيط إلى محورية هذه المرحلة في الوعي الغربي فيقرر إنه من تجربة الموجة الإسلامية التي طالت إسبانيا وجنوب إيطاليا والغال الجنوبي يستمد الوعي الغربي القروسطي الأسس الانفعالية لتمثله للإسلام ذلك التمثل المجبول بالعداوة.
وقد توسعت هذه الرؤية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر لتمتد حتى القرن الثامن عشر وحتى العصر الاستعماري دون تغيير أسسها المكونة وتنطلق من عداء واسع للنبي الذي أوقف، في التصور الغربي، تطور الإنسانية باتجاه المسيحية.
أما على صعيد تعزيز إدراكات الطرفين السلبية تجاه الآخر فإن المحطة الأساسية في هذا الخصوص هي مرحلة الحروب الصليبية ففي هذه المرحلة وضع الباباوات والأمراء والإقطاعيون الإسلام على إنه العدو الحقيقي بالنسبة للمسيحية وأرادوا «تطهير» بيت المقدس والمقدسات المسيحية وكانت الحروب التي اتخذت الصليب شعارا لها وأثرت في صورة الآخر في أوروبا حتى اليوم.
إن صورة المسلم، في الإعلام الأوروبي، يرجع تاريخها إلى تراث الحروب الصليبية. ولعل مما يعزز هذه الرؤية الإستشهاد الذي يقدمه البعض في إطار تناول هذا الموضوع من رؤية يقدمها كاتبان غربيا هما ديفيد بلانكس ومايكل فراستو في كتاب لهما حول رؤية الغرب للإسلام في العصور الوسطى يعيدان فيه جذور رؤية الغرب الراهنة للإسلام والمسلمين إلى القرن الحادي عشر الميلادي الذي شهد بداية الحروب الصليبية والمراحل الأولى لنشأة الهوية الغربية الحديثة.
وحسبهما فإن الأوروبيين كانوا في تلك الفترة محاصرين بحضارة أكثر تقدما وقوة وهي الإسلام وأنهم فشلوا في هزيمة هذه الحضارة خلال الحروب الصليبية كما رفضوا فهمها لكنهم شعروا دائما بتهديدها الحضاري والديني لهم.
وعلى هذا الأساس يذهب البعض إلى أن الحروب الصليبية تمثل ذروة مسعى الغرب للحد من عالمية الإسلام وانتشاره. أما ثالث المحطات التي يمكن الإشارة إلى تأثيرها الملموس في الوعى الأوروبي فهي مرحلة الدولة العثمانية. فلا يمكن لأي باحث محايد إنكار تأثير دور الدولة العثمانية في تشكيل الصورة عن الإسلام في الغرب.
وقد أدى تناحر الولايات المكونة للإمبراطورية العثمانية والتي تضاءلت قوتها في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين دوره في إغراء القوى الاستعمارية في الغرب ما زاد من ملامح العلاقة الصراعية.
نأتي إلى المحطة الأخيرة وهى المرحلة الإستعمارية والتي يؤرخ لها بحملة نابليون على مصر، فلقد كانت الحملة أول قوة مسلحة عبدت الطريق للغرب الحديث في الشرق الأوسط وأول شرارة كهربائية في طريق التغريب في الشرق الأوسط، وكانت إيذانا ببدء مسيرة الهيمنة والسيطرة الغربية على مقدرات العالم الإسلامي.
ورغم أن هذه المرحلة كان من المفترض أن تسهم في تقديم تصور تقل فيه حدة العداء لدى الغرب عن الإسلام إلا أن الأمر كان على العكس حيث تزايدت الصورة السلبية للإسلام في الإدراكات الغربية.
لقد كانت هذه المرحلة بمثابة البداية الحقيقية للحقبة الاستعمارية التي تواصلت لنحو ثلاثة قرون ولم تنته إلا مع بداية حقبة السبعينات من القرن الماضي، وهي الفترة التي يمكن القول أنها تمثل بحق التاريخ المعاصر للعلاقات المشحونة بالتوتر الذي وصل بنا إلى ما نحن عليه الآن.
مصطفى عبد الرازق
