(أبوالقراء) و(فلاح الأرض) من الألقاب التي خلعت على القارئ الشيخ عبدالفتاح الشعشاعي صاحب المدرسة الخاصة في دولة التلاوة التي كان شعارها الالتزام بالأحكام وحسن الصوت والخشوع في التلاوة، وبخلاف شهرته التي تخطت الآفاق تميز الشيخ الشعشاعي أنه الوحيد من مشاهير القراء، الذي شهد العديد من المناسبات الخاصة، فقد قرأ في مآتم ثروت باشا، وعدلي يكن باشا، وسعد زغلول، ومحمد محمود، وأحمد ماهر، والنقراشي، وكلهم كانوا رؤساء لوزارة مصر..
بعد افتتاح الإذاعة المصرية في نهاية مايو عام 1934 ظل الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي متردداً في تلاوة آيات الذكر الحكيم بالإذاعة، اعتقاداً منه أن تلاوة القرآن الكريم بها يعد إهانة لكلام الله، وتمسك بموقفه هذا حتى توفي الملك فؤاد عام 1936 وأقيمت ثلاث ليال لإحياء مأتمه دعي إليه كبار القراء وعلي رأسهم الشيخ الشعشاعي، محمد رفعت.
وبعد ليالي المآتم حاول مدير الإذاعة حينذاك الأستاذ سعيد لطفي أن يحصل علي موافقة الشيخ الشعشاعي للتلاوة بالإذاعة حاملاً معه فتوى شرعية من الإمام مصطفي المراغي شيخ الأزهر مفادها أن قراءة القرآن الكريم بالإذاعة ليست محرمة ولا مكروهة، الأمر الذي أطمأن إليه الشيخ الشعشاعي فمبدأ على أثره التسجيل للإذاعة حتى بلغت تسجيلاته ثلاثمئة تسجيل وأكثر.
وهذا الحرص من مدير الإذاعة كان نابعاً من انفراد الشيخ الشعشاعي في عالم تلاوة القرآن، فقد كان صوته من أجمل وأقوى الأصوات التي أكرمها الله بتلاوة آيات الذكر الحكيم باعتباره قيثارة ربانية تشد آذان المستمعين بجاذبية شديدة إلي عالم رحب فسيح لتسبح بحمد الله، كما تمتع الشيخ الشعشاعي بشخصية قرآنية متميزة قلما يجود الزمان بمثلها باعتباره صاحب مدرسة في التلاوة وصاحب أسلوب خاص وحضور طاغ في دولة التلاوة.
ولد الشيخ «عبدالفتاح محمود كرير» والمعروف باسم الشيخ الشعشاعي في 20 مارس 1890 بقرية شعشاع بالمنوفية، وكان والده الشيخ محمود كرير يعمل قارئاً للقرآن الكريم ليلاً، ومعلماً لتحفيظ القرآن نهاراً، الأمر الذي أتاح للشيخ الشعشاعي حفظ القرآن الكريم كاملاً في الثالثة عشرة من عمره، قبل أن يسافر إلي طنطا ليتعلم تجويد القرآن علي يد الشيخ إسماعيل الشافعي، وتم له ما أراد بداية من تعلم مبادئ التجويد، مروراً بتعلم أصول المد بالقراءة العادية قراءة حفص، ومن طنطا شمال القاهرة جاء الشعشاعي لمدينة القاهرة ودخل الأزهر.
حيث درس القراءات السبع وهي القراءات التي أجمع عليها سبعة أئمة في صدر الإسلام هم عاصم، وحمزة، والكسائي وابوعمرو بن العلاء البصري، وابن عامر الشامي، وابن كثير المكي، ونافع المدني تلك القراءات القرآنية الشهيرة التي تعلمها الشيخ الشعشاعي علي يد الشيخ محمد بيومي، والشيخ علي سبيع وكانا من أشهر معلمي القراءات في زمانهما.
عريف وفقيه
التحق الشيخ الشعشاعي بمدرسة لتخريج المعلمين وحصل منها على ما يسمى بشهادة «عريف وفقيه» وعمل بها لمدة ثلاث سنوات في التدريس بالمدرسة التي افتتحها والده في شعشاع قبل أن يبدأ في قراءة القرآن في القرى والمراكز المجاورة لقريته ليذيع صيته بين الناس الذين أشادوا بصوته الجميل المتفرد وقدرته الهائلة علي جذب الانتباه وإرغام مستمعيه علي الإنصات لتلاوته الرشيقة للقرآن الكريم.
وفي عام 1961 استقر الشيخ الشعشاعي في القاهرة وبدأ مع المشايخ أحمد ندا وعلي محمود ومحمد رفعت ومحمد الصيفي بتلاوة القرآن في المناسبات المختلفة، وكان أجره في الليلة الواحدة خمسين قرشاً.. وخلال سنواته المديدة شهد العديد من المناسبات الخاصة فقد قرأ في مأتم ثروت باشا وعدلي يكن باشا وسعد زغلول ومحمد محمود وأحمد ماهر والنقراشي وكانوا رؤساء لوزارة مصر.
وعندما مات الملك فؤاد اشترك مع الشيخ محمد رفعت في أحياء مأتمه بقصر عابدين، وبعدها تعددت رحلاته إلي العديد من البلدان العربية والإسلامية، وهي رحلات حفلت بكثير من الذكريات والمواقف يأتي في مقدمتها رحلته إلي العراق عام 1955 عندما كان يقرأ بمسجد الأحمدية ببغداد وبعد انتهاء التلاوة تزاحم حوله الناس كل يريد مصافحته حتى كسر ضلعه من جراء التزاحم عليه.
وعلى امتداد مسيرته القرآنية الثرية تحقق له من الأمنيات العظيمة مالم يتحقق لرواد التلاوة في عصره وفي مقدمتهم أحمد ندا، ومحمد رفعت، ومحمد الصيفي، وعلي محمود، حيث سافر للحج إلى الأراضي المقدسة مرتين، وفي المرة الثانية قرأ في الحرم النبوي بالمدينة المنورة أمام مئات الآلاف من المصلين من كافة أنحاء العالم الإسلامي يتقدمهم العاهل السعودي الراحل الملك عبدالعزيز آل سعود.
أبو القراء
أطلق البعض على الشيخ الشعشاعي لقب «أبو القراء» و «فلاح الأرض» فقد كان صاحب مدرسة خاصة في دولة التلاوة شعارها الالتزام بالأحكام وحسن الصوت والخشوع في التلاوة، صوت يدخل القلوب مباشرة ويستقر في السمع والفؤاد فلا يضيع صداه أبداً، قال عنه الأستاذ كمال النجمي «كان الشيخ الشعشاعي قارئاً أسطورة يحرك جميع الجوارح خاصة عندما كان يتسلطن في شبابه».
ويقول عنه الكاتب الصحافي محمود السعدني: «إن الشيخ الشعشاعي ظل محتفظاً بقوة صوته حتى سنوات عمره الأخيرة، وكان له لون خاص في التلاوة فلم يقلد أحداً من القراء الذين سبقوه، كما أنه لم يظهر حتى الآن من حاول تقليد صوت الشيخ والسبب هو الطريقة التي يقرأ بها والتي تحتاج إلي صوت قوي فتي، وما أندر الأصوات القوية في دولة القراء».
ولقد عاش الشيخ الشعشاعي بسيطاً، متواضعاً في سلوكه وكانت أمنيته أن يقرأ القرآن مرة أخرى في الحرم النبوي وحوله مئات الآلاف من أبناء العالم الإسلامي ولكن الأجل وافاه في 11 سبتمبر عام 1962 فلم تتحقق أمنيته الغالية.
أنجب الشيخ الشعشاعي سبعة أبناء منهم ستة أولاد لم يسيروا علي نهج والدهم، بينما حمل الابن السابع الشيخ إبراهيم لواء أبيه وخلفه في قراءة القرآن بمسجد السيدة زينب بالقاهرة، ولكن الابن على الرغم من تفوقه واجتهاده لم يصل إلي الذروة التي وصل إليها والده العظيم.
ويذكر أن الشيخ الشعشاعي قد كرم في العديد من دول العالم، ومنحته مصر وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى وذلك في الاحتفال بليلة القدر عام 1990، مع عدد من رواد التلاوة الذين لن يجود الزمان بمثلهم.
القاهرة ـ خالد محمد غازي:
