يقول الله تعالى: «ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون(إبراهيم: 25-24).
فالكلمة الطيبة هي معرفة الله تعالى واتباع أمره والسير على هداه، وهي باقية ما دامت السموات والأرض، قوية الجذور ثابتة الأصول، مرتفعة الأعلام، قوية الهامات، وحتى تقترب هذه الكلمة الطيبة الخالدة من نفوس البشر، مُثِّلت بشجرة طيبة، في الهيئة في المظهر والمخبر، في النتيجة:
وهذا المثل ساقه القرآن بعد الحديث عن أحوال الناس في الآخرة، فريق في الجنة، وفريق في السعير؛ فالكافرون لهم العذاب الأليم، والمؤمنون لهم النعيم المقيم. فجاء هذا المثل الذي يوضح أثر الكلمة الطيبة وتبعه المثل الآخر الذي يبين الكلمة الخبيثة وعقباها.
يقول الرازي موضحًا معالم المثل: اعلم أنه تعالى ذكر شجرة موصوفة بصفات أربع، ثم شبه الكلمة الطيبة بها، فالصفة الأولي لتلك الشجرة كونها طيبة، وذلك يحتمل أمورًا، أحدها:
كونها طيبة المنظر والصورة والشكل، وثانيها: كونها طيبة الرائحة، وثالثها: كونها طيبة الثمرة يعني أن الفواكه المتولدة منها تكون لذيذة مستطابة، ورابعها: كونها طيبة بحسب المنفعة يعني أنها كما يستلذ بأكلها فكذلك يعظم الانتفاع بها، ويجب حمل قوله: شجرة طيبة، على مجموع هذه الوجوه لأن اجتماعها يحصل كمال الطيب.
والصفة الثانية قوله: «أصلها ثابت»، أي راسخ باق آمن الانقلاع والانقطاع والزوال والفناء وذلك لأن الشيء الطيب إذا كان في معرض الانقراض والانقضاء . فهو وإن كان يحصل الفرح بسبب وجدانه إلا إنه يعظم الحزن بسبب الخوف من زواله وانقضائه، أما إذا علم من حاله أنه باق دائم لا يزول ولا ينقضي، فإنه يعظم الفرح بوجدانه ويكمل السرور بسبب الفوز به.
والصفة الثالثة قوله: «وفرعها في السماء» وهذا الوصف يدل على كمال حال تلك الشجرة من وجهين: الأول: أن ارتفاع الأغصان وقوتها في التصاعد يدل على ثبات الأصل ورسوخ العروق، والثاني: أنها متى كانت متصاعدة مرتفعة كانت بعيدة عن عفونات الأرض وقاذورات الأبنية، فكانت ثمراتها نقية ظاهرة طيبة عن جميع الشوائب. الصفة الرابعة قوله:
«تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها{، والمراد: أن الشجرة كانت موصوفة بهذه الصفة. وهي أن ثمراتها لابد أن تكون حاضرة دائمًا في كل الأوقات، ولا تكون مثل الأشجار التي تكون ثمارها حاضرة في بعض الأوقات دون بعض. فهذا شرح هذه الشجرة التي ذكرها الله في هذا الكتاب الكريم، ثم يقول الرازي: إذا عرفت هذا فنقول: معرفة الله تعالى والاستغراق في محبته وفي خدمته وطاعته تشبه هذه الشجرة في هذه الصفات الأربع،ثم شرح هذه الصفات وربطها بمبادئ العقيدة والشريعة الإسلامية.
ثم ذكر رأيا آخر قال فيه: وذكر بعضهم في تقدير هذا المثال كلامًا لا بأس به فقال: إنما مثل الله سبحانه وتعالى الإيمان بالشجرة، لأن الشجرة لا تستحق أن تسمى شجرة، إلا بثلاثة أشياء: عرق راسخ، وأصل قائم، وأغصان عالية. كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء: معرفة في القلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان.
وفي ختام شرحه لهذه الصفات علق الرازي على قول الحق سبحانه: «ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون»، فقال: والمعني: أن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني، وذلك لأن المعاني العقلية المحضة لا يقبلها الحس والخيال والوهم، فإذا ذكر ما يساويها من المحسوسات ترك الحس والخيال والوهم تلك المنازعة، وانطبق المعقول على المحسوس وحصل به الفهم التام والوصول إلى المطلوب.
وابن القيم يورد لهذا المثل تفسيرات ثالثة ويبين صفة التشبيه ويرجح رأيا منها لوضوح التشبيه وظهوره فيقول عقب آية مثل الكلمة الطيبة،فشبه سبحانه وتعالى الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع، وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون:
الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة، فكل عمل صالح مرضٍ لله ثمرة هذه الكلمة. وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: كلمة طيبة شهادة أن لا إله إلا الله في قلب المؤمن وفرعها في السماء، يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء.
لكن من هو المقصود بالمثل؟ يجيب عن هذا ابن القيم فيقول: والمقصود بالمثل: المؤمن والنخلة مشبه به وهو مشبه بها، وإذا كانت النخلة شجرة طيبة، فالمؤمن المشبه بها أولى أن يكون كذلك، ومن قال من السلف إنها شجرة في الجنة، فالنخلة من أشرف أشجار الجنة.
وقد اختلفت الآراء في نوع الشجرة هذه أهي النخلة أو غيرها؟ يذكر الطبري عدة روايات تؤيد أنها النخلة ثم ذكر قولاً لآخرين بأنها شجرة في الجنة، ولكنه رجح أنها النخلة، وقال: وأولى القولين بالصواب في ذلك قول من قال هي النخلة لصحة الخبر عن رسول الله للحديث الذي رواه ابن عمر وذكره من عدة طرق وبإسنادات مختلفة، ونصه كما جاء في صحيح مسلم واللفظ ليحيى بإسناده عن عبد الله بن دينار أنه سمع عبد الله ابن عمر يقول:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟، فوقع الناس في شجر البوادي. قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله، قال: هي النخلة، قال: فذكرت ذلك لعمر قال: لأن تكون قلت هي النخلة أحب إلى من كذا وكذا. (وقد روى مسلم هذا الحديث بروايات أخرى كما رواه البخاري والترمذي).
