اختلفت نظرة التشكيليين والخطاطين العرب والمسلمين إلى الحروفيّة، وتباينت الآراء في قدرتها على تحقيق الهُويّة المحليّة في المنجز البصري الذي يشتغلون عليه.
بعضهم وصل حد القناعة المطلقة، بقدرة الحروفية على تأدية هذا الدور، فأوقف تجربته الفنيّة عليها، وبعضهم الآخر، رفع لواء الشك في قدرتها على فعل ذلك، ما دفعهم للاجتهاد في البحث عن بدائل وسبل تمكنهم وتسعفهم على الخروج بمنجز بصري يُشير إلى الزمان والمكان الذي ولد وتكوّن فيهما.وهكذا تنامت وكبرت وتضخمت إشكاليّة تحقيق الهوية المحليّة في المنجز البصري التشكيلي المعاصر، تباين اختلاف نظرة المشتغلين في هذه الحقول الإبداعيّة، إلى التراث ومقوماته وحقيقته وماهيته وضرورته أو عدمها، لكن الاختلاف في وجهات النظر، لم يمنعهم من متابعة البحث والتجريب، كل وفق قناعاته، ووفق القدرات التوليفيّة التشكيليّة والتعبيريّة، التي توفرها له، الوسيلة الفنيّة التي يشتغل عليها.
مع ورود غلال مختبرات التراث والمعاصرة، إلى بيادر الفنون البصريّة العربيّة الإسلاميّة الحديثة، كثرت التنظيرات والتحليلات والدراسات حول أهميتها ونجاحها أو فشلها، في تحقيق هذه المعادلةـ المتمثلة في قيام حالة من التوافق والانسجام، بين التراث والمعاصرة، وتاليا تضمين المنجز البصري الحديث، هوية محلية متفردة، تغرد خارج السرب الغربي.
بعض التشكيلين والخطاطين العرب والمسلمين، بارك وأثنى وشجّع على استمرا عملية البحث والتجريب، في حقول الحروفيّة وآفاقها المفتوحة المكتنزة على عوالم رحبة من الكشوفات الفنيّة المهمة، إذا ما أحسن استثمارها بحرفية وإبداع، واضعين للنجاح فيها، جملة من الشروط والمقومات الواجب توفرها في خائض التجربة الحروفيّة منها: الموهبة الفنية التشكيليّة الحقيقية، والإلمام الصحيح بقواعد الخط العربي وطرزه، والتعبد في محرابه، وصدق الهدف والغاية والنية.
البعض الآخر من التشكيليين، استقبل ظاهرة الحروفيّة بحذر وريبة، دون تحديد موقف واضح وصريح منها. البعض الثالث، لم يتردد بتسفيه واستهجان هذا الوافد البصري الجديد إلى الحيوات التشكيلية العربية والإسلاميّة، مُعتبراً إياه بدعة هجينة على هذه الحيوات التي لها تقاناتها ومدارسها المكتملة، وهي لا تقبل المزيد من البدع ؟!!.
مع ذلك، استمرت مسيرة الحروفيّة وتجاربها في الفنين العربي والإسلامي الحديثين، واستمرت بشكل موازٍ، عمليات التنظير والتحليل بشقيها الإيجابي والسلبي، المُرحب والرافض، المقتنع والمستهجن، لنجد أنفسنا مرة أخرى، أمام إشكاليّة جديدة هي: الحروفيّة وتجاربها، والطريق الأمثل إلى الجمع الموفق والمقنع بين التراث والمعاصرة، في المنجز البصري العربي والإسلامي الحديث، وهي إشكالية طاولت المنتوج العملي وتداعياته النظريّة في آنٍ معاً.
فالحروفيّة وتجاربها في العالمين العربي والإسلامي، رغم اتساعها وتناميها الدائم شكلاً ومضموناً، لم تلق حتى الآن ما يكفي وتستحق، من الدراسة الموضوعيّة العلميّة، ولا الاهتمام اللائق بصخبها وتنوعها وتباين المواقف منها، سواء من قبل التشكيليين، أو الخطاطين، أو المبدعين في حقول مجاورة أخرى كالأدب، والشعر، والموسيقا، والسينما، والإعلام ...
وحتى من قبل الناس العاديين المهتمين بما يجري في هذه الحقول. ما زاد الاهتمام بظاهرة الحروفيّة، علو وتيرة المواقف المتباينة والصداميّة بين (التشكيليين الحروفيين) و(الخطاطين) الذين تراشقوا التهم فيما بينهم، حول من له الأحقية في خوض غمار القدرات التشكيلية والتعبيريّة للحرف والكتابة العربية.
واستنهاض المنجز البصري الحديث الجامع لقيم التراث والمعاصرة، بتآلف وانسجام وتفرد، من بنية هذه المفردة البصريّة والدلاليّة المقدسة، كونها احتضنت آيات القرآن الكريم، والنصوص الشعريّة العربيّة، وضروب الأدب والثقافة كافة، التي أفرزتها الحضارة العربية والإسلامية. فقد كانت اللغة العربية على الدوام، موضع اعتزاز وافتخار العربي الذي ربط بينهما وبين الانتماء للأرض والوطن والأمة.
بعد التشكيليين الحروفيين والخطاطين، جاء النقاد والمنظرون والباحثون الجماليون، ليدلو كل منهم بدلوه، في موضوع الحروفيّة، مكرسين بذلك، حالة من التباين الشديد، بين المؤيد والرافض، ما جعل الحروفيّة إشكاليّة مفتوحة، تماماً كما هي الحال مع الإشكالية الأم: (التراث والمعاصرة).
د. محمود شاهين

