مع تعالي حدة الأصوات التي تنادي بحقوق المرأة في جميع دول العالم، تأتي الدول العربية والإسلامية على رأس قائمة الدول غير المطبقة لحقوق المرأة ، على الرغم من التقدم الكبير الذي لحق بالمرأة العربية، وإفساح الطريق أمامها في جميع مجالات العمل، ومساهمتها بشكل ملموس في الارتقاء بمجتمعها، بالإضافة إلى العديد من المتغيرات التي شهدتها المرأة في العالم العربي والانفتاح على الثقافات الغربية .

* هناك اتهامات كثيرة توجه لدول العالم الإسلامي بإهدار حقوق المرأة بها.. فما تعليقك على ذلك؟ ـ اعتقد أن من يقول ذلك لم يضطلع على الإطلاق على الوضع الحقيقي للمرأة في العالم العربي الآن، فالدول المتقدمة تنظر لنا من منظور خاص بها يختلف عن معتقداتنا وشرائعنا.وعلى العكس تماما فالمرأة في العالم الإسلامي أظهرت تقدما كبيرا في كافة مناحي الحياة، وفي مجتمع يحترم وضعها كزوجة وأم وربة منزل، وإذا نظرنا إلى وضع المرأة في العالم الغربي نجد منتهى الانتهاك لحقوق المرأة وافتقادها العديد من الأسس الأخلاقية في ظل حالة الانفلات في المجتمعات الغربية التي تبيح العلاقات غير الشرعية .

والتي تؤدي إلى التفكك الأسري والكثير من القيم التي ضمرت وطغت عليها الكثير من المادية وعناصرها، مما أنعكس على أوضاع المرأة وتبدو واضحة في الجرائم التي تمارس في المجتمع الغربي ضد المرأة ومنها العنف والاغتصاب ما هي رؤيتك للدور الذي تقوم به المرأة المسلمة لخدمة مجتمعها؟

لابد أن نعرف أن المرأة المسلمة في كل الأزمنة والعصور سواء حالياً أو في الماضي لعبت وتلعب دوراً أساسيا ومباشراً في تهيئة الأجواء لبروز قيم المجتمع الإسلامي لأنها ربة منزل وأم لأبناء وزوجة، ويقع على عاتقها الكثير من الواجبات والمسؤوليات لتربية النشء على الروح الإسلامية والقيم الدينية المستمدة من الكتاب والسنة، وإذا من تمكنت من أداء هذا الواجب فإنها قد أسهمت بفاعلية في ترسيخ قواعد بنيان المجتمع المسلم وتنشئة الجيل القادم على المنهج الصحيح..

كذلك فإن المرأة وهي بمنزلة الزوجة يمكنها متابعة الزوج وحثه دائما على فضائل الأعمال بما يضمن استقامة الأسرة والمجتمع الذي يتولى بعد ذلك تطبيق المنهج كاملاً، وبهذا يظهر الدور الخطير الذي تقوم به المرأة في تهيئة الأجواء لأحياء الشريعة وبناء مجتمع سليم على الأسس الإسلامية.

مقومات الأسرة

في نظركم ما مقومات الأسرة السليمة دينيا واجتماعيا؟ تنقسم مقومات الأسرة إلى شقين: قبل الزواج، وبعد الزواج، فأما الشق الأول فيعتمد على حسن اختيار الزوجة الصالحة، والرجل الصالح لقول الرسول «صلى الله عليه وسلم» تنكح المرأة لأربع، لمالها ولحسبها ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك، «وقال الرسول في اختيار الرجل» إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادا كبيرا» .

وكذلك أن تخلو الزوجة من الموانع الشرعية التي قد تمنع الرجل المسلم من زواجها كزواج المشركات والرضاعة والنسب وغيرها.. كما أقر الإسلام حسن العشرة بالمعروف حتى يسود الوئام الأسرة ويظلها السلام والإيمان. أما مقومات ما بعد الزواج فتشمل: الصداق لقوله تعالى:

«وعاشرهن بالمعروف» والإنفاق عليها بالمعروف من غير إسراف ولا تقتير لقول الله تعالى « لينفق ذو سعة من سعته» وأن يصونها من الفتن ويحسن تعليمها ويأمرها بالصلاة والتوجيه والالتزام بالدين والشرع، وأن يعدل في قسمته لها إن كان عنده غيرها ومن حقوق الرجل على زوجته حق القوامة وطاعته وتلبية ندائه إذا طلبها لقول الرسول «صلى الله عليه وسلم:

«لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها». كذلك حق التمتع بها، وألا تمنعه نفسها، ولو كان على ظهر قتب، وألا تصوم يوما واحدا نافلة من غير إذنه، والا تأذن لأحد بدخول البيت إلا بإذنه، ولا يطأ فراشه أحد وأن تقوم بخدمة زوجها وبيتها ورعاية أبنائه..

كما يجب على المرأة أن تتزين لزوجها في المنزل بكل أنواع الزينة، وكل ما يرضي رغبته وذوقه ويؤلف قلبه، إذ لو خرجت من بيتها التزمت تعاليم الإسلام وحدوده في اللباس والزينة. حق القوامة .

ولكن هناك من يدعي أن قوامة الرجل تنتقص من حقوق المرأة .. فما تعليقك على ذلك؟ أنا لا أرى ذلك لأن القوامة تعني أن يكون الرجل عائلا للأسرة ساعيا على رزقها وحافظا لمقوماتها ومديراً لشؤونها، وهو أيضا المسؤول مسؤولية كاملة عنها وعن أفرادها وعلى المرأة ان تعلم ذلك لأنها قدرة فطرية وهبها الله للرجل دون المرأة حتى تستقيم منظومة الحياة الأسرية وحياة المجتمع.

كما أن قوامة الرجل على المرأة لا تنتقص منها على الإطلاق، بل هي مسؤولية لها مقوماتها وأصولها، فمفهوم التبعية يختلف عن مفهوم الأهلية، فالمرأة لها أهلية مستقلة والدليل على ذلك أنها مستقلة في الذمة المالية، واستقلال المرأة في بيتها يرتبط بمفهوم التبعية أي بيت له قيادة والتبعية هنا تكون للقائد.

وليس في هذا الإطار طعن للمرأة، ولا انتقاص من شأنها، إنما هي عملية تنظيمية لسير الحياة الأسرية في جو من الاستمرار بعيدا عن الجبروت أو الطغيان، أو الديكتاتورية في البيت، وإنما تحمل الرجل مسؤولية مستقبل الأسرة ومطالبها، والوقوف بأسرته في طريق الأمن والأمان.

ويشير القرآن بهذا في عبارة موجزة بليغة، إذ يقول: «الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم»، وهذا دليل على إقرار الإسلام قوامة الرجال في الأسر قوامة رحيمة، قائمة على المودة والمحبة، والإرشاد، وقيدها بقيود كثيرة تحفظ للمرأة كرامتها وتصون حقوقها وتحقق مصلحتها على خير وجه.

وإذا كانت غير متزوجة كان مظهر القوامة محافظة ولي أمرها عليها وصيانتها وتزويدها بما تحتاج إليه من نفقة، حتى لا تنزل في عمل مهين، فالقوامة هنا قوامة حفظ وصيانة ورعاية وحماية وإمداد بكل ما تحتاج إليه في حياتها، حتى إذا ما جاء وقت زواجها وهي بالغة عاقلة فإن لها أن تختار الزوج الذي تريده اختيارا حرا، على أن يشترك معها وليها بالمشورة والرأي فيمن تختاره، وإن اختار هو زوجها لا يتم زواجها به إلا برضاها

المرأة والوظيفة

* ما هي رؤيتك لتولي المرأة المناصب القيادية في المجتمع؟ ـالإسلام لا يحرم على المرأة أن تتقلد الوظائف الكبيرة أو الحساسة طالما تملك هذه المقومات، وهي مقومات يجب أن تتوفر في المرأة والرجل على السواء.

والقول بغير ذلك يعتبر طعنا في حقيقة التشريع الإسلامي الذي يعطي للمرأة كل الحق في أن تعمل وأن تتقلد المناصب الكبرى، تعمل أي عمل طالما لدى المرأة المقومات الثقافية والشخصية والظروف المواتية لكي تقوم بهذا العمل أي لا تتفرغ لعمل يأخذ منها وقتا كبيرا يحرمها من أسرتها، فالمرأة الأولى بمسؤولية البيت من الرجل الذي إذا تعذر له الجمع بين مسؤولية البيت ومسؤولية العمل، فهو أولى بمسؤولية العمل، بينما المرأة بمسؤولية البيت .

وهذه مسألة لا يجب المغالطة فيها، فنحن نرى الآن سيدات في المجتمع العربي وصلن لأعلى المراتب وأصبحن وزيرات وقاضيات وهذا لا يتنافى على الإطلاق مع مبادئ الإسلام، غياب التطبيق الشرعي للأحكام الخاصة بالمرأة، أحدث هوة فاصلة بين حقيقة التشريع والواقع المعاش، كيف الخروج من هذه الأزمة؟

لقد أنصف الشرع المرأة في أهليتها المادية والشخصية، وفي وضعها الأدبي وفي واقعها الأسري بلا حدود، لكن مازالت قضايا المرأة إلى هنا ينقصها تطبيق ومن خلال عاداتنا الاجتماعية، كل منا في إقليمه ومن هنا جاء التطبيق مختلا، والحقيقة إن الإسلام اعطى للمرأة ما لم يعطه لها أي دين أو قانون سابق، ولكن سوء التطبيق وخلط الشرائع بالعادات أوصلنا إلى هذه الحالة، وحبذا لو فكر القائمون على الأمور في تهيئة الأجواء لتطبيق عملي لحقوق المرأة كما جاء بها الإسلام ليصبح الحال أفضل من ذلك.

ـ الانفتاح على العالم الغربي الآن أصبح ظاهرة تهدد ثقافة المرأة الإسلامية.. فما هي رؤيتك لذلك؟ للأسف هناك كثيرات يقلدن الغرب دون وعي بخطورة الأمور، وهناك مواصفات للمرأة المسلمة سواء في زيها أو في معاملاتها أو في اختيارها لزوجها أو معاشرتها لأهلها، هذه المواصفات رسمها الإسلام بكل دقة وأعتقد أن التأثر بالثقافات الوافدة سببه عدم الوعي والجهل بأمور الدين.

والحل المطلوب لمواجهة تلك الظاهرة هو الاهتمام بنشر تعاليم الإسلام وقيمه وتشريعاته التي تمثل القاعدة الأولى التي تجمعنا جميعا، ولابد أن تكون نقطة الانطلاق من مناهج الدراسات الإسلامية التي تشكل إنسان هذه الأمة بتميزه وهويته الإسلامية، وإذا كان هناك خلط فكري وثقافي فإن ذلك يكون له تأثير سلبي على استقرار المجتمع لأنه يقسم المجتمع إلى فئات تختلف في الفكر والثقافة.

ومن مصلحة المسلمين أن تتوحد رؤيتهم، وهذه الصورة السلبية، تنعكس على الأسرة أول ما تنعكس لأن الأم تفتقد التوجيه التربوي السليم وتفشل في أداء دورها الأساسي في تربية الأجيال، فالشرع اعطى للمرأة ما لم يعطه لها أي قانون أو شرع سابق للإسلام، لكن سوء التطبيق للشرع وخلط الشرع بالعادات البيئية لمجتمعاتنا العربية والإسلامية في الشرق وفي الغرب هو مكمن الظلم على المرأة.

عصر المعلومات

* كيف يمكن الحفاظ على الهوية الإسلامية والعربية في ظل عصر المعلومات والثقافات الوافدة؟

ـ لن يتم هذا إلا بمصالحة مع ديننا، فإذا اتبعنا منهج الإسلام بحقيقته، وهو منهج متوازن ومنضبط يربي الإنسان المتوازن، كما أننا في حاجة إلى انتقاء واضعي المناهج التخصصية لبناء الإنسان على أسس دينية إسلامية ودينية مسيحية، لأن أي دين لأي إنسان هو العاصم له فهو يحثه على الصدق والأمانة والكرامة، وأن الإنسان جاء للدنيا لتعميرها بالخير والعمل، والإنسان بدون دين هو إنسان ضار لا يحمل في نفسه قيما «إنسانية» .

* معنى هذا أننا في حاجة إلى رؤية جديدة وتجديد لثقافتنا؟

ـ بالتأكيد، نحن في حاجة إلى منهج إسلامي متوازن، فنحن طلقاء في هذه الأرض وعلينا أن نعمرها بالقوة الحضارية والصناعية والزراعية والبنائية والتجارية، والاقتصادية، وعلينا أن ننتبه إلى أن الإسلام ليس عدوا للإنسان وليس عدوا لحضارة، على العكس تماما، فالإسلام حثنا على تعمير الأرض.

* من الملاحظ الآن الانتشار الكبير الذي تحققه كتب الشعوذة والسحر على الرغم مما تعكسه من عجز فكري وسطحية فما رؤيتك لذلك؟

الإنسان دائما يبحث عما لا يملكه، وهذه المخلوقات غير المرئية التي تشدنا هي حديث الأمم والحضارات السابقة، والتي جعلوا لها نماذجاً مختلفة في أساطيرهم، فلابد أن نسحب هذه المفاهيم من النفوس، ونبتعد عن هذا الخلط اللامعقول، والذي يؤدي إلى التخاذل وانتشار الخرافات والتي تنال من ثقافتنا وعقلنا، فالسحر حقيقة موجودة، ولكن الذي نجده في هذه الساحة مجموعة دجالين وأدعياء ليسوا سحرة بالمعنى الذي عرفناه في قوم موسى ويستخدمون الدين والقرآن بطريقة خاطئة.

والمجتمع يلجأ إلى مثل هذه القوة الخفية حين يصل إلى حالة من الاحباطات والفشل، مثل فترة التصوف، أو الإحساس بالقهر الذاتي، أو القهر السياسي أو الاقتصادي، وبالتالي يجب محاربة مثل هذه الخرافات والتصدي لها لما تعكسه من آثار سلبية يعيشها المجتمع.

* هل نحن في حاجة إلى قانون يحظر وجود هذه الكتب؟

ـ بالتأكيد وهذا لا يعد حجراً على الحرية الفكرية، فحرية الفكر تعطي وتفسد، وتكون إيجابية في بناء الإنسان، بينما الحديث عن الجن والسحر والمخلوقات غير المرئية يبني شبابا خويا مهترئاً.

القاهرة: من: وكالة الصحافة العربية