هو الخجل والحشمة واجتناب ما لا يرضاه الله سبحانه وتعالى خشية له ومخافة ومهابة منه، وهو مزيةٌ إسلامية لكل مؤمن خالص الإيمان لله، وشعورٌ يُترجم على ملامح وجهه فيجعله رابط الجأش وأكثر انسجاماً وموافقة للأدب والاحترام، فالحياء ابتعادٌ عن الشبهات ، وترفّعٌ على الدنيات، وتشبثٌ بالمروءات ، وخوفٌ على المكارم، وحرصٌ على المحامد.
وقد حث الإسلام على الحياء وجعله خلق الإسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم :«إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء»، ومن لزم الحياء فهو مؤمن، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :«الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان».
والحياء يوجد عند الفرد السوي أياً كان دينه وهو ما يسمى بالحياء الفطري أو الحياء النفسي وهو الذي يحول بين الإنسان وبين فعل ما يشين ويعيب أو ما يخجل الإنسان أن ينسبه لنفسه، لكن هناك حياءً ينشأ عن الإيمان (وهو ما أسماه النبي خُلُق الإسلام)، فإذا غُرست بذرة الحياء الفطري في تربة حياء الإيمان وسُقيت بمائه ليجتمعا في إنسان كانا بمثابة الحصن المنيع له من اقتراف ما نهى الله عنه والحائل بينه وبين ما يعيب ويشين، لذا قال بعض العلماء :
«حقيقة الحياء أنه خُلُقٌ يبعث على ترك القبيح ، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق»، وهو قرين الإيمان والذي يقل حياؤه يقل بالتبعية ـ وبلا أدنى شك ـ إيمانه فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :«الحياء والإيمان قرناء جميعاً، فإذا رُفع الحياء رُفع الآخر».
فيالخطورة وضياع إيمان من لا يستحي فيفقد الحياة القلبية والروحية ويهوي في نزوات النفس وينتقل من حالٍ سيئة إلى أسوأ كما دل على ذلك قول سيد الأنام محمد عليه أفضل الصلاة والسلام :
« إن الله عز وجل إذا أراد أن يُهلك عبداً نزع منه الحياء فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتاً ممقتاً (أي مبغضاً)، فإذا لم تلقه إلا مقيتاً ممقتاً نُزعت منه الأمانة، فإذا نُزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائناً مخوناً، فإذا لم تلقه إلا خائناً مخوناً نُزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيماً مُلَعَّناً، فإذا لم تلقه إلا رجيماً ملعّناً نُزعت منه ربقةُ الإسلام»، فلننظر كيف آل حال من فقَدَ الحياء إلى أسوأ حال وأبشع وضع حتى نُزعت ربقة الإسلام.
واعتبر ابن القيم ـ رحمه الله ـ نزْعَ الحياء ـ الذي هو مادة الحياة للقلب وأصل كل خير، وذهابه ذهاب كل خير بأجمعه ـ من أكبر عقوبات الذنوب والمعاصي، فإن حياة القلب لا تكون إلا حسب ما فيه من قوة فضيلة وخُلق الحياء، ذلك الخُلُق الذي يتولّد بإدراك نعم الله وآلائه إلى جانب تقصير العبد في حق المنعم، وهذا ما أجاب به الجُنَيد حين سُئل عن الحياء فقال :
«رؤية الآلاء ورؤية التقصير، فيتولد من بينهما حالة تُسمى الحياء»، لأن المؤمن الحق يقلق حين يرى نعم الله المادية والمعنوية تغمره وتكتنفه وتملؤه وتملأ الكون من حوله بجنب تقصيره في حق الله فيشعر بالحياء لاطلاع الله عليه في سرّه وعلنه فيعامل الله ولا يرى غيره فتكون المكافأة كما في قول سليمان الداراني الذي جاء في شُعَب الإيمان للبيهقي :
«يقول الله عز وجل :إنك إن استحييت مني أنسيتُ الناس عيوبك»، و قال علي كرّم الله وجهه : «من كُسى بالحياء ثوبه لم ير الناس عيبه»، وفي الصحيح أنه قال صلى الله عليه وسلم :«الحياء خير كله»، لأن من فارقه فقَدْ وقع أسير الذنوب والمعاصي، وهذا مذهب من فسّر قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البخاري وأحمد:«إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى :«إذا لم تستح فاصنع ما شئت» على سبيل التهديد لمن نُزع منه الحياء.
وللحياء صور وأنواع فمنه الحياء مع الله سبحانه وتعالى عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:قال الرسول صلى الله عليه وسلم:«استحيوا من الله حق الحياء» قلنا :إنا نستحي من الله يا رسول الله، والحمد لله قال :«ليس ذلك، الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكُر الموت والبلى.
ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، وآثر الآخرة على الأولى فمَن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء»، ومنه الحياء مع رسوله باتباع أوامره واجتناب نواهيه ومحبته والصلاة عليه دائماً ، وقراءة سيرته وآثاره، وهناك الحياء في المعاملات مع الناس بإظهار خُلُق المسلم الحقيقي، والابتعاد عن النفاق والبدع والمجاملات الرخيصة المتملقة، والحياء في الكلام بتنزيه اللسان عن كل ما يعيبه من الغيبة والنميمة والتزيد في الكلام رياءً لأن هناك من يأخذ بناصية الحديث للفت انظار الناس إليه وامتلاك قلوبهم .
وهذا لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ويُحبط عمله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود :«من تعلّمَ صرف الكلام (أي بلاغته) ليستبي به قلوب الرجال لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً» وللأسف ما أكثر هذا النموذج الدنيء السيئ في مجتمعنا فنجد من يتبارون في كثرة الكلام .
ولا يحترمون آداب الحوار حتى مجالس العلم، لكن ينبغي هنا التفرقة بين من يتحدث ذوداً عن دينه وعرضه،(حيث لا حياء في الحق، والدليل عيب الأنبياء وتحقيرهم الأصنام والصور الباطلة في أقوامهم) ومن يريد الاستئثار بالكلام نفاقاً ورياء وطلباً لامتلاك القلوب. فما أجمل أن نتصف بالحياء ونحمل عليه أنفسنا وندفعها إليه دفعاً.