لابد للعقل من غذاء حتى يكون ناضجا يستطيع أن يفكر تفكيرا سليما بحيث يكون على إطلاع واسع يحاكي واقع الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية...
وهذا الغذاء هو القراءة المثمرة والهادفة التي توصل الإنسان إلى المعرفة الشاملة والرقي المستمر والمضي قدما نحو الأمام فهي مفتاح التقدم والازدهار على مر العصور الغابرة والحاضرة ولقد كان لها الدور الحقيقي في نهوض الإنسان ومحاكاته لواقعه فبدونها لا يستطيع المرء أن يتفاهم ويتحدث إلى الآخرين بغض النظر عن اللغة التي يتحدث بها فلكل قوم لغتهم فلألسن مختلفة واللغات كذلك فهي حكمة ربانية في الخلق وآية عظيمة للبشر «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ{ «الروم/22
إن الدستور الخالد للتشريع الرباني الذي أُنزل على سيد البشر أجمعين محمدا صلى الله عليه وسلم يحث الناس على القراءة فالقرآن الكريم هو المنهج القويم للبشرية جمعاء الى قيام الساعة جاء بهذا النهج فمحتواه مشتق من القراءة وأعظم اختراع اخترعته البشرية كان الكتابة؛ والكتابة غير ذات قيمة إذا لم تعقبها القراءة؛ فقد تكثفت خبرة الأجيال على اتساع أمد الزمان والمكان، في الكتابة؛ فهي الجسر الذي يؤمن التواصل بين الأجيال؛ فإذا لم يتهيأ لنا أن نقرأ ما كُتِبَ حرمنا من نعمة تراكم المعرفة التي تمكننا من تجاوز كينوناتنا الثقافية.
فالقراءة هي المصدر الحقيقي والأول للتعليم في الحياة البشرية في كافة مجالاتها فأول ما نزل الوحي على نبي الخلق أجمعين جاء بكلمة أقرأ وهي بداية المشوار للعلم والمعرفة ( إلى جانب هذه الحقيقة تبرز حقيقة التعليم..تعليم الرب للإنسان ( بالقلم )..لأن القلم كان وما يزال أوسع وأعمق أدوات التعليم أثراً في حياة الإنسان...
ولم تكن هذه الحقيقة إذ ذاك بهذا الوضوح الذي نلمسه الآن ونعرفه في حياة البشرية. ولكن الله ـ سبحانه ـ كان يعلم قيمة القلم، فيشير إليه هذه الإشارة في أول لحظة من لحظات الرسالة الأخيرة للبشرية. في أول سورة من سور القرآن الكريم... هذا مع أن الرسول (ص ) الذي جاء بها لم يكن كاتباً بالقلم،.
وما كان ليبرز هذه الحقيقة منذ اللحظة الأولى لو كان هو الذي يقول هذا القرآن لولا أنه الوحي. ولولا أنها الرسالة! ثم تبرز مصدر التعليم...إن مصدره هو الله. منه يستمد الإنسان كل ما علم، وكل ما يعلم. وكل ما يفتح له من أسرار هذا الوجود، ومن أسرار هذه الحياة، ومن أسرار نفسه. فهو من هناك من ذلك المصدر الواحد الذي ليس هناك سواه ).
وهكذا شأن العلم يستمد قوته ونشاطه من المصدر الحقيقي لمنشئ الحياة. هذا ولا ريب أن ( القراءة تمكننا من توسيع مساحات الرؤية؛ حيث نرى كل نتاج الأعمال السابقة الايجابية والسلبية؛ وذلك يمكننا من امتلاك ( البصيرة ) التي من لوازمها القدرة على خطو الخطوة المناسبة، والتي تمنحنا الحصانة من أن نلدغ من جحر واحد مرتين ومرات...) .
وكذلك نستطيع من خلال هذه الحصانة الفكرية تدارك الأخطاء بتصحيحها وإجراء التجارب المختلفة والنظريات العلمية من خلال واقع الحياة الشاملة فالعلم غير محدود فهو كالبحر يمتد إلى أعماق طويلة يصعب على الإنسان أن يدرك ماهيته وهكذا شأن العلم والمعرفة.