مع ازدهار الطباعة في القرن التاسع عشر، وانتشار الكتاب العربي انتشاراً واسعاً مع رخص ثمن الكتاب وتوفير انتقاله بيسر وسهولة إلى الآفاق: انتشر فن التصوير الضوئي الذي قيل فيه (التصوير الشمسي)، وصار من المألوف في النصف الثاني من ذلك القرن وجود الصور في الكتب المطبوعة لأسباب مختلفة كالتوضيح والإبانة والتزيين وغير ذلك.

ومع انتشار فن التصوير وتطويره، وتبادل الصور بين الأقارب والأصدقاء ومع الإهداء والاستهداء خطر لأحدهم، وهو في الأغلب شاعر، أن يسجّل تعليقاً أو خاطرة سريعة عن صورته. ولا نعرف أوّل من سجّل تعليقاً أو خاطرةً شعرية عن صورته أو تحتها، أو خلفها، ولكن هذا المبتدع الظريف فتح الباب لمعاصريه ولمن جاء بعده.

وكثر الشعراء الذين نظموا قطعة من الشعر تحت صورهم، أو بمناسبة الصورة لأسباب مختلفة، متعدّدة، تختلف من شاعر إلى آخر، ولكنّها تتفّق في أنها بوحٌ ذاتيّ ورأي شخصي، ومبادرة تلقائية.

وكثيراً ما نقل الشعراء خواطرهم على الصور إلى دواوينهم، أو وضعوها في بعض مؤلفاتهم أو تلقفها بعض أصدقائهم من الكتّاب والباحثين فنشروها في مناسبات مختلفة.

ويكتفي كثير من الشعراء والناظمين ببيتين اثنين، وربما زادوا على ذلك في ثلاثة أبيات أو أربعة، واسترسل بعضهم في ما هو أكثر من ذلك.

ورصد هذه الظاهرة ومتابعة ما صنع الشعراء من شعر تعليقاً على صورهم يضيف إلى مقاصد الأدب في العصر الحديث جانباً جديداً، ويقدم إضافة، أو إفادة تنفع في قراءة الشخصية، وفي تبيّن بعض معالمها. ويغلب على الأشعار المجموعة في هذا المقصد الجانب الوجداني الذي ينغمس الشاعر فيه داخل ذاته، أو يرجع إلى صدى ذكرياته، أو يترك ما يشبه الحكمة والعبرة مما مضى من سنوات حياته، إلى غير ذلك مما هو لطيف، جديد، مفيد. وقد أعجب بعض الشعراء بالفكرة فكتبوا أكثر من قطعة في أكثر من مناسبة. وكتب بعضهم شعراً على صور غيرهم كالأهل والأصدقاء، وصور أشخاص لهم عندهم أهمية كبعض رجال الفكر والسياسة.

وسوف يجد القارئ في هذه الأشعار ما يُمتعه، ويثير إعجابه، وسوف يحفزه ـ غالباً ـ على التعاطف مع ناظمه، والاستغراق معه في سبحاته الوجدانية، وآرائه الشخصية، وآماله الحاضرة أو أمنياته الضائعة، إلى غير ذلك من الملامح والمقاصد. وقد أدرج خير الدين الزركلي في الأعلام (5 : 155) في ترجمة فليكس بن حبيب فارس (1882 ـ 1939) بيتين من الشعر كتبهما الشاعر تحت صورته (وقد أثبت الزركلي الشعر والصورة) والبيتان هما:

هو وهم الخلود يطلبهُ النّا....

سُ اختلاساً من عاصفات الحياة

ليس يبقى غير المبادي فهذا

رَسْمُ مَيْتٍ يُهْدى إلى أمواتِ!

يقول إن الناس يطلبون الصُّور الشخصية على وهم أنها تخلدهم بعد وفاتهم، وعقّب فقال إن الذي يبقى هو (المبادئ) من الأعمال الحسنة، ثم أضاف إنه يهدي صورته (وهو مثل كل البشر سيموت) إلى أناس سيموتون في يوم من الأيام!

وفي صدر كتاب (إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء) للشيخ العلامة محمد راغب الطباخ، هناك صورة شخصية له كتب تحتها:

إليكم يا بني الشهبا كتاباً

حوى تاريخ أجدادٍ عِظَامِ

وروحي في ثناياه تجلّتْ

وذا رسمي إذا غابتْ عظامَي!

وفي الشعر ما يسمّى في البلاغة جناس التقفية، يقول إنه صورته ستنوب عن شخصه بعد وفاته.

وقد ينظم الشعر لصورة تعجب الشاعر من منظر طبيعي أو حيوان غريب أو مَعْلَم أثري، وغير ذلك، وممّا نظمته في الصبّا، ووضعته على صورة ملوّنة لإحدى نواعير حماة:

كلّما أنّت النواعير قالت

مَنْ كمثلي على الفراق ينوحُ؟

أحتوي من أُحبُّه لحظاتٍ

ثم يمضي وفي الفؤاد جروحُ!

فالماء لا يلبث في دلاء النواعير إلا لحظات يسيرة، حالها حال المحبّ الذي لا يكاد يرى المحبوبة حتي ينتهي اللقاء، ويعود (الأنين)!