قال تعالى «وقل جاء الحق وزهق الباطل، ان الباطل كان زهوقا» الإسراء الاية 81 وقد وردت لفظة «الحق» معرفة بالألف واللام في الكتاب العزيز في 227 موضعا هذا عدا عن ورودها من غير الألف واللام منصوبة او مرفوعة حسب السياق مما يؤكد ان «الحق» هو هدف رسالة الإسلام فضمنه للإنسان ومادام للحق هذه المنزلة المتميزة في الإسلام فلا اقل من ان نتعايش معه عبر هذه المقالات على مدار هذا الشهر الفضيل شهر الله الذي انزل فيه القرآن «هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان» فهو شهر الحق الذي شرع فيه الصوم تكريما وإجلالا له فهو شهر التقوى والتقوى - كما يقول علماؤنا:
فعل كل خلق جميل يحبه الله ويحمد عليه في الدنيا. فالصوم - يقول الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله «يذكر الملوك والرؤساء والزعماء والقادة والأقوياء والأغنياء وكل ذي سلطان انهم كالشعب في حاجة الى رزق الله وطعامه وشرابه، والفقراء والضعفاء جوعا وضعفا حين يحال بينهم وبين الغذاء والماء من هنا نعلم ان شهر الصوم الفضيل اهدافه تثبيت الحق بالتقوى التي اشار اليها القرآن «لعلكم تتقون» .
وننطلق بعد هذا الاستطراد الذي قصدنا به توضيح الربط بين «حقوقهم في الإسلام» وهذا الشهر الفضيل لنوضح مفهوم الحق لغة واصطلاحا أصوليا وفقها تشريعيا وفقها وفقها قانونيا ومقارنة للحق في الفقة الإسلامي والفقه الوضعي وكل ذلك استنادا الى ما ذهب اليه علماؤنا الأجلاء في هذا الخصوص.
الحق لغة
من معاني الحق لغة على ما جاء في المعاجم: الحق مصدر ومن أسماء الله تعالى او من صفاته والحق ضد الباطل والأمر المقضي والعدل والمال والملك والموجود الثابت والصدق والموت والحزم وجمعه: حقوق وهو أيضا القرآن والإسلام ويقال لمرافق الدار: حقوقها وفي قولهم: هو أحق بكذا: يحتمل هذا القول جانبين: الجانب الأول: اختصاصه بذلك من غير مشاركة فيه ، والجانب الثاني: اشتراكه مع غيره مع ترجيح جانبه أي من باب أفضل التفضيل.
الحق في إصلاح الأصوليين
الأصوليون تعارفوا على تقسيم الحق الى قسمين:
أ - حق الله: أي حق الجماعة.
ب - حق العبد «ويعنون به حق الفرد فأفعال المكلفين عندهم: اما ان يكون المقصود منها تحقيق مصلحة المجتمع عامة فتكون حقا لله تعالى وليس للمكلف فيها خيار ويكون فرضا على ولي الأمر العمل على تحقيق تنفذه هذا من جهة ومن جهة اخرى ان يكون المقصود بها «أي أفعال المكلفين» تحقيق مصلحة الفرد خاصة، فهو حق خالص للمكلف وله خيار بين تنفيذه وعدم تنفيذه.
وقد يكون المقصود بها تحقيق مصلحة الجماعة ومصلحة الفرد معا ، غير ان مصلحة الجماعة تكون فيها اظهر من مصلحة الفرد، وهذا يكون حق الله فيها اغلب «انظر فتحي الدريني - الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده ص 96».
للحق عند الفقهاء عدة تعريفات منها:
1 - ما يستحق الرجل ويشير فتحي الدريني الى هذا التعريف عليه مآخذ منها «ما» وهو لفظ جاء عاما ومبهما اذ معرفة الاستحقاق تفتقر الى معرفة الحق، ومعرفة الحق تفتقر الى معرفة تعريف الحق.
2 - اختصاص تتعاقبه مصلحة ويشرح الفقهاء هذا بقولهم: الاختصاص هو الرابطة بين المختص - أي صاحب الحق - والمختص به «أي موضوع الحق» فيتوفر: اختصاص ومختص به أي رابطة ومرتبطان بهذه الرابطة.
وللحق تعريف في اصطلاح القانونيين فقهاء القانون لهم تعريفات عدة للحق نقتطف منها:
1 - قدرة إرادية أعطيت لشخص من اجل تحقيق مصلحة.
2 - مصلحة محمية تسهر على تحقيقها وحمايتها قدرة إرادية.
3 - مصلحة يحميها القانون.
ولفتحي الدريني فيما ورد مأخذان اذ يقول:
القدرة والارادة ليستا من حقيقة المعرفة «والمعرف هنا هو الحق» بل شرطان - علي قوله - لممارسته ومباشرته والتعرف يجب ان ينصب على بيان حقيقة المعرف وليس على ذكر شرطه. واما المصلحة فليست هي الحق بل هي غاية الحق فالتعريف بها تعريف للحق بغايته لا بماهيته. نخلص من ذلك الى ان:
الحق في الإسلام وسيلة الى المصلحة وهو على خلاف ما في الفقة الوضعي الذي يعمل على حمايته لا يحتاج في الشريعة الإسلامية الى هذه الحماية او وجوبها لأنه يؤدي الى مصلحة فهو يبقى محميا بهذا الدور ولا يكون في الإسلام الحظر على الحق الا حين يؤدي الى مفسدة او ضرر. يقول الإمام الشاطبي في الموافقات: ان من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له، فعمله باطل لأن قصده في العمل خالف قصد الشارع في التكليف ومناقضة قصد الشارع باطله.
ورب من يقول: ان في تقييد الفرد في استعمال حقه إلحاق ضرر به ولكن الإسلام الذي يرعى مصالح الأمة قاطبة يرى ان الضرر الذي يلحق بالفرد لا يعدل بحال ما يلحق بمصلحة مجموع الأمة او الفئة الغالبة منها. يقول الامام السيوطي في الاشباه والنظائر «والعدل في ميزان الشريعة الإسلامية .
حيث تعارضت مصلحة فردية مع مصلحة جماعية ، تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة وذلك من باب اختيار اهون الضررين ولا يبعد هذا الاختيار من درء مفسدة ومن خصائص الشريعة الإسلامية «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح».
من هذا يتضح ان ديننا الحنيف السمح القويم حين يقرر حق الفرد ، لا يغفل حق الجماعة فهو بهذا يتميز على المذهب الفردي الذي يهتم بالفرد وحقوقه على حساب الجماعة والإنسان الفرد في نظر الإسلام كائن اجتماعي نتأمل في الخطاب القرآني «يا أيها الناس» و«يا أيها الذين آمنوا» وما الى ذلك من النداءات للجماعة او التوجيهات.
تجدر الإشارة الى ان الحقوق التي يتحدثون عنها اليوم ويتباهون بأنهم قرروها للإنسان لم تكن الإنسانية تعرفها قبل ظهور الإسلام فقد كان على الإنسان واجبات سخر للقيام بها دون المطالبة بحق وجاء الإسلام ليقرر الواجبات والحقوق معا، وهم اليوم في مجتمعاتهم ينادون بالحقوق ولا يأبهون كثيرا بالواجبات.