كل إنسان في هذه الحياة ينشد راحة القلب وسروره كي يحيا حياة هادئة مستقرة وسعيدة.
والصائم المحب و الذي يفرغ قلبه للحب ويصفيه من الأحقاد والكراهية والحسد، فيحب الخير لكل المحيطين به في الأسرة أو في العمل أو في أي مكان يحل فيه سواء في رمضان أو في غير رمضان، لأن الحب لا يتجزأ.
لذا تراه يسعد سعادة غامرة إذا رأى خيرا نزل بأحد أقاربه أو جيرانه أو زملائه في العمل، لأنه يفهم معنى الحديث الذي يقول فيه المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (رواه البخاري) ولا شك أن الصائم المحب هو الذي يحيا حياة طيبة هادئة ليس فيها شقاء، لأنه رضي بما قسم الله له.
قال تعالى:« من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ماكانوا يعملون». (النحل 97)
جاء في الحديث: وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس.
الصائم المحب تجده لا يتبرم ولاينعى حظه إذا نزلت به نازلة، ترى لماذا؟ لأنه عاش في دائرة الحب الكبير، دائرة الحب في الله والرضا بمقدوره، ولأنه بإيمانه القوي وبما صنع الصوم في تصفية نفسه من كل المؤثرات بات قرير العين، لا يطلب بقلبه أمراً لم يقدر له بل هو دائماً يقنع نفسه بأنه سعيد لما يحصل له، وأنه يستطيع في حدود ما يملكه في هذه الحياة أن يرسم البهجة والسعادة على أبنائه وأسرته الكبيرة التي تحيط به من الأهل والجيران.
لقد صارت الدنيا لا تشغله، لأنه يريد أن يعيش كل لحظة من لحظات حياته في شهر رمضان في صفاء ونقاء وراحة بال وسعادة وهناء يجد كل هذا عندما يقبل على القرآن الكريم، يقرأه بتدبر وخشوع محاولا فهم معانيه الجميلة وذلك في البيت أو في المسجد.
جاء في الحديث الشريف الذي يقول فيه المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة ونزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده.
وتزداد سعادة الصائم المحب عندما يكثر من النوافل ومن الاستغفار والتسبيح والتحميد والتهليل.
جاء في الحديث القدسي، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب اليَّ مما افترضت عليه، وما زال عبدي يتقرب اليًّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه.
ولا شك أن الصائم المحب يجد سعادة صافية عندما يقرأ شيئاً عن حياة الصالحين الذين يمثلون علامات مضيئة لمن أراد أن يحيا هادئ النفس ويعيش في صفاء يرتقي به بإذن الله تعالى إلى مصاف المقربين الذين رضي الله عنهم وأرضاهم.
قال ابراهيم بن أدهم:
هجرت الخلق طرا فى هواكا
وأيتمت العيال كي أراكا
فلو قطعتني في الحب إربا
لما سكن الفؤاد إلى سواكا
وتزداد سعادة الصائم المحب المفوض أمره إلى الله عندما يطلب من ربه ويدعوه وهو موقن بالإجابة أن يوفقه لصيام مقبول يرضى به عنه وعن بقية أسرته الملتزمة بشرع الله في كل أمورها.
قال الحسين بن علي رضي الله عنهما: من اتكل على حسن اختيار الله تعالى له، لم يتمن غير ما اختاره الله عز وجل.
وقال رضي الله عنه: من آمن بالقدر آمن من الكدر الصائم المحب يحب الليل في شهر رمضان، لأنه يجد سعادته عندما يخلو بحبيبه، يناجيه ويتضرع إليه قال أحد الصالحين المحبين: إذا رأيت ا لليل مقبلاً فرحت، وأقول أخلو بربي، وإذا رأيت الصباح قريباً استوحشت كراهية لقاء من يشغلني عن ربي.
قال إبراهيم الخواص، دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلو البطن، وقيام الليل والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين.
المسلم الصائم الذي عاش في دائرة الحب الصادق يتمنى أن يظل على ماهو عليه طوال أيام العام عسى ان يحظى بلحظة من لحظات القرب.
جاء في الحديث القدسي: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء. (رواه الترمذي).
ولله در القائل:
أحب الله عن أدب وصدق
ولا أرضى سوى التقوى خلاقي
يعز علي ترك الحب عندي
ولو بَلَغت بي الروح التراقي
محبة الله تعالى ودوام ذكره والسكون إليه وإفراده بالحب والخوف والرجاء والتوكل عليه يجعل المرء يعيش في نعيم القرب والوصل، ويحيا حياة الصالحين، وتقر عيون الناس به على حسب قرة أعينهم بالله عز وجل، ومن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات ويصدق في هذا من كان في قلبه حياة.
وفي ختام اللقاء .. دعاء ورجاء:
ـ مولاي يا مولاي، يارحمن الدنيا والآخرة، اجعلني ممن اخلص لك في صيامه وقيامه ومعاملته بالحسنى للمحيطين به، وألهمنا يارب السماحة والحب وجنبنا الأحقاد والكراهية، واجعلنا أوفياء أمنا وعاملين على إغاثة اللهفاء وإعانة المحتاج، وانصرنا على أنفسنا حتى تلين قلوبنا وتندفع إلى كل مامن شأنه الخير، فنحن نعلم أن القلوب إذا صلحت واستقامت عم الخير وازدانت الحياة بنضارة الأمل وعشنا في سعادة وهناء.
ـ إلهي، ها نحن في شهر رمضان، شهر المغفرة والرضوان فررنا إليك من ذنوبنا فآونا تائبين، وتب علينا مستغفرين، واغفر لنا متعوذين، وآمنا راغبين وشفعنا سائلين، فأنت أحق من عبد وأكرم من سئل وأجود من أعطى ولا حول ولا قوة إلا بك ياذا الجلال والإكرام يا الله.