«يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام، كما كتب على الذين من قبلكم، لعلكم تتقون»شرع الصوم ركناً من أركان الإسلام الخمسة، فهو بعد الشهادتين ـ أحد مقوماته الأربعة. التي يشخص فيها كدين له كيانه، وقد شرع الصوم في السنة الثانية من الهجرة، له شعائره التي ترتبط بها حياة المجتمع، وينعكس ضوؤها في مظهر الجماعة: هداية، وخلقاً، وعملاً نافعاً، وحضارة ناضجة بريئة من شوائب الزلل والفساد.

وفقدان الصوم أو غيره من الأركان المساوية له ينتقص من دين المرء، ويجعله في تدينه كالمتجمل بثوب تمزقت وشائجه، فلم يعد واقياً له من عوادي السوء وليس الذنب ذنب الدين، ولا العيب عيبه، وإنما هي جناية أهله على أنفسهم بالمروق من حوزته أو من بعض نواحيها.

أما فقدان الركن الأول ـ الشهادتين ـ فهو انهيار الأساس من قاعدته الأصلية، ولا يستقيم شيء من الأركان الأخرى على غير أساس.

والصوم إمساك عن شهوتي البطن والفرج وجهاد للنفس بحرمانها من ملذاتها، فهو غير هين الاحتمال، إذ النفس تكره الاحتباس، وتجنح دائماً إلى التحلل.

لذلك كانت الدعوة إليه في أسلوب هين، وتلطف مشوق، وكان سياقها تكريم بنداء رحيم «يأيها الذين آمنوا».

فهذا تسجيل لإيمانهم، وشهادة بأهلية المؤمنين للدعوة إلى خير يريده الله لهم وليس المؤمنون بالجفاة الذين يقسو عليهم الكتاب في نجواه معهم، كما يقسو على المتخلفين وإنما هم المصغون المستجيبون، فحسبهم أن يسمعوا ليطيعوا، وذلك دينهم، وهذا شأن الإيمان. ثم يقترن بهذا النداء ثلاث كلمات في تشريع الصوم، وتركيزه كركن من أركان الإسلام، وما بعد هذه الثلاث فبيان لقدر أيامه، وموعدها، وبيان أحكام تتعلق به من ترخيص في الفطر، وقضاء للصوم، أو فدية عنه.

الكلمة الأولى «كتب عليكم الصيام»

المراد: يا معشر المؤمنين، فرض عليكم الصيام، ولم يكن عليهم صيام مفروض قبل ذلك. وكان هذا التشريع في السنة الثانية للهجرة، وكانت الهجرة في ربيع الأول، من السنة الثالثة والخمسين من عمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد مضى عليه بعد رسالته ثلاثة عشر عاماً في مكة وبعد سنة من الهجرة يكون النبي عاش تسع سنوات في المدينة، وهى التي صام فيها رمضان.

الكلمة الثانية: «كما كتب على الذين من قبلكم».

فالصوم ليس بدعاً في الإسلام، بل كان في الأمم السابقة، وهذا مما يشهد بأن الديانات السماوية لا يباين بعضها بعضا، بل هي على أصل واحد في التوحيد والعبادة لله، وإن اختلفت رسوم العبادات أحياناً في شكلها كما تختلف صلاتنا عن صلاة غيرنا. فصوم المسلمين أشبه بصوم غيرهم من ناحية أنه تشريع سماوي ايجابي، وإن اختلف صومنا عن صومهم في مدته وأوصافه..

وقد يقال: إن صومهم كان أشبه بصومنا تماماً، غير أنهم أحدثوا تغييرات لم تكن، حتى صار مخالفاً لما نحن عليه.

فلنكن أقوى صلة بالله، واحرص على الاتصال به، ولنكن أحفظ لأمانة الصوم على ما ورد بها تشريعه، فلا نزيد فيها، ولا ننقص منها، ولا نشوبها بتصرف من عندنا.. حتى لا نقع فيما وقع فيه سوانا من الحاد في دين الله، وزعزعة لعقيدة الناس، والله سبحانه يقول في هذا وفى غيره «إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا، أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة، اعملوا ما شئتم، إنه بما تعملون بصير».

أما الصوم المستحب في نحو يوم عرفه وعاشوراء ومثلهما فليس زيادة على الفرض، بل ذلك زيادة مسنونة، كما نزيد في الزكاة بصدقات التطوع، فمن تطوع خيراً فهو خير له.

الكلمة الثالثة «لعلكم تتقون»

يعني: شرع الصوم وسيلة إلى التقوى، ورجاء حصولها للصائمين وهى الهدف من التشريع.

وإذا كان الصوم حرماناً من الملاذ، وحبساً للنفس عن حريتها، فالحرمان يثير الألم، ويحمل على الضيق والتذمر، فكيف يكون مرضياً ومجلبة للتقوى التي لا تكون غالباً إلا عن كمأنينة وارتياح ؟

فالصائم يجد نفسه بين إحساس بالحرمان وشعور وجداني بأنه يترفع أثناء الصوم عن الشهوات البهيمية التي لا تتجاوز بطنه وفرجه.

فهو يتشبه في صومه بالملائكة في تجردهم عن شواغل الملذات الحسية التي تسيطر كثيراً على روح الإنسان، وتقعد به عن النشاط في جانب الله سبحانه وتدفعه من شهوة إلى شهوة ومن لذة إلى لذة.

وفى التشبه بالملائكة سيطرة على الشهوة، وترويض للنفس على التزهد والصبر. فإذا ما عاش المرء في يسر فهو قادر على ضبطها عن الإسراف والمتورط في الجشع والتبذير، ويذكرها بما عليه المحرمون من الحاجة المريرة، والعجز عن ضروراتهم، فتقوى فيه عاطفة الآدمية والأخوة الإنسانية والناس بحاجة إلى التراحم في كل أوساطهم وظروفهم.

وإذا لم يكن في حياة المرء يسر فالصوم تدريب على الصبر، وتعويد على الرضا، واعتبار بما تورط فيه بعض الموسرين والمترفين من الغرور بالنعمة والانهماك في مطاوعة النفس، وتتبع الأهواء حتى كأن النعمة أنستهم خشية الله، فهم يحاربون ربهم بما أغدق عليهم من رزق، ويتجاهلون أن وراءهم حساباً عسيراً، وهذا عزاء ولا شك للمحروم.

وفى هذه المشاعر التي يوحى بها الصوم للواجد وللمعسر نمط كريم للتربية واتجاه إلى أطيب المسالك.

فإن يكن الصوم شاقاً من ناحية، فهو هناءة روحية من ناحية أرجح وأقوى: ناحية الوجدان.

وإن يكن تكليفاً غير محبب عند المستهترين، فهو عبادة صامتة وهو مناجاة عظمى عند المهتدين: مناجاة لها شأنها، ولها قدرها، ولها ملذاتها.. وعبادة كهذه كفيلة بتوثيق الصلة بين العبد وربه، وكفيلة بإيقاظ الضمير، وتبديد الغفلة، والجنوح إلى توجيهات الله نحو الدين والدنيا.. وتلك كلها من معاني التقوى فلا جرم أن يكون الصوم سبيلاً إليها كما جاءت به الآية «لعلكم تتقون».