من المعروف أن الدول تحرص على عقد دورات عسكرية للمجندين فيها حتى لا يفقدوا لياقتهم للدفاع عن وطنهم ضد أعدائه. ولا ريب أن الإنسان محتاج لمثل هذه الدورات ليحفظ نفسه من أعدائه. فالإنسان محاط بنفس تدعوه للغرائز، وشيطان بالآثام يحدوه، ودنيا بالمباهج تغريه.
ومن حكم الصلاة أنها تكف صاحبها عن الفحشاء والمنكر. ومن حكم الصيام أنه تدريب سنوي للمسلم يدرّب فيه نفسه على التحكم في أهم غرائزه. فشرع الله تعالى صيام النهار وهو إمساك عن أهم الغرائز وهي المأكل والمشرب والعلاقات الزوجية، كما استن النبي صلى الله عليه وسلم قيام ليله.
ولا ريب أن المسلم يحتاج بعد صيام النهار، وصلاة القيام بالليل إلى جرعة من الترفيه المشروع يجدد به نشاطه. ومن هنا نشأت في الأمة المجالس الرمضانية. ولعل من أول من أنشأها الخلفاء والملوك، يلتقون فيها بالأدباء والمحدثين والشعراء وأصحاب الطرائف والمُلَح. وسوف تكون مقالاتنا طيلة هذا الشهر إن شاء الله تعالى مادة لهذه الأمسيات.
وهذا الشهر الكريم حظي بكثير من الطرف والنوادر ننتخب من بينها النوادر الآتية.
تحدث بعض الأدباء يوما عن شهر رمضان فقال أحدهم: هذا الشهر أيامه مَعارف، ولياليه شرائف، فيها طرائف ولطائف وقطائف!
ومن النوادر التي يعرفها الكثيرون أن الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان كان أكولا ولذلك كان يشعر بالجوع الشديد في نهار رمضان خاصة إذا وافق رمضان أحد أشهر الصيف حيث يطول النهار.
ولذلك استدعى طبيبه وأمره أن يجد له حلا، فقال له الطبيب والله لأصنعن لك طعاما لا تجوع بعده، وبالفعل صنع له طعاما كان يأكله في وجبة السحور فلا يكاد يشعر بجوع حتى يحين الإفطار، وهذا الطعام هو الكنافة التي ما زلنا نتوارثها جيلا بعد جيل !
وأما في حلويات رمضان فالشاعر المصري أبو الحسين الجزار له القِدْح المُعَلَّى والصرح المحلَّى.. وهو شاعر مصري كان في أيام المماليك.. وكان فكها ظريفا.. وسمي الجزار لأن المماليك لما تولوا الحكم عزفوا عن سماع الشعر وأغلقوا أبوابهم دون الشعراء لأنهم لم يكونوا عربا فلم يستسيغوا الشعر فترك الشعر وعمل بالجزارة. وله رمضانيات كثيرة من ذلك أنه لم يتذوق الكنافة في أحد شهور رمضان حتى أوشك الشهر أن ينتهي فدعاه أحدهم للإفطار عنده، ولما جيء بطبق الكنافة قال فيها ارتجالا :
ما لي أرى وجه الكنافة مغضبا
وإنّ رضاها زفَّ لي رمضانَها
عَجِبْتُ لها في هجرها كيف أظهرَتْ
عليَّ جفاءً صدَّ عني جِفَانَها
تُرى اتَّهَمَتْني بالقطائفِ فاغْتَدَتْ
تصدُّ اعتقاداً أنّ قلبيَ خانَها
ومذ قاطَعَتْني ما سمعتُ كلامَها
لأن لساني لم يخاطبْ لسانَها
وفي الكنافة والقطائف أيضا يقول:
والله ما لثمُّ المراشفْ
كلا ولا شمُّ المعاطفْ
بألذَّ وقعاً في حشا.....
يَ من الكنافةِ والقطائفْ
ويبدو أنه كان مولعا بالقطائف. والقطائف جمع قطيفة وهي قطعة الفراش المزركشة بالألوان وسميت القطائف بذلك لأنها تزركش عادة بالزبيب واللوز وغير ذلك. وقد دُعي أبو الحسين الجزار إلى إفطار فرأى طبق القطائف فقال :
هاتِ القطائفَ لي هُنا
فالصومُ حبَّبَها لنا
لكأنني مُذْ ذقْتُها
ذقْتُ السعادةَ والهنا
ودعاه أحد أصحابه يوما للإفطار معه في أحد أيام رمضان وأكرمه ثم أحضر له كنافة للتحلية فبعد أن أكل ارتجل بيتين يقول فيهما:
سقى اللهُ أكنافَ الكنافةِ بالعطرِ
وصبَّ عليها سكّرًا دائمَ القطرِ
وتَبًّا لأيام المُخَلَلِ إنَّها
تمرّ بلا نفعٍ وتُحْسَبُ من عُمري
هذا وإلى أمسيّة الغد إن شاء الله تعالى.