من بين القضايا التي أصبحت تمثل تحديا جديدا أمام العالم الإسلامي قضية علاقته مع الغرب، والتي تمر بمرحلة توتر غير مسبوقة تفرض التساؤل حول أسباب ذلك التحول في هذه العلاقة؟ وما اذا كان الأمر يعكس مجرد توتر عابر أم أنه موغل بأعماقه في تاريخ علاقات الطرفين؟

يكاد أن يكون من المتفق عليه بين الكثيرين بما فيهم كتاب غربيون معاصرون على أن الإسلام كدين استوعب وجود مغايرين في الالتزام الديني. وتكشف قراءة متعمقة لنصوص القرآن والأحاديث النبوية الشريفة على حض المسلمين على حسن العلاقة مع الآخر.

ومع ذلك فإن النتيجة التي يمكن الإشارة إليها في معرض النظر لذلك الموضوع نظرة متأنية هي التأكيد على أنه رغم أن ملامح العلاقة الصراعية بين الغرب والإسلام تعود في جانب كبير منها إلى جوانب ترتبط بالتطورات المعاصرة، إلا انه لا يمكن إنكار انه مما عزز من جوانب الصراع بين الجانبين وجود ما يمكن القول إنه يمثل جذوراً للإدراكات الخاطئة خاصة من قبل الغرب تجاه العالم الإسلامي. وقد عبر عن ذلك تعبيرا دقيقا الكاتبان جراهام فوللر وإيان ليسر في كتابهما «الإسلام والغرب».

حيث أشارا إلى أن عبارة الإسلام والغرب في حد ذاتها أصبحت تشتمل على سلسلة من التصورات التاريخية والنفسية ذات جذور راسخة عميقة. وأن هذا التراث تزايد بفعل مجموعة معقدة ومتنوعة من التطورات الحديثة بما في ذلك تراث تصفية الاستعمار وتشويه سياسة الغرب تجاه العالم الثالث أثناء الحرب الباردة والإرهاب العالمي والمصالح النفطية وتدخلات الغرب في الأزمات الإقليمية.

غير أنه ينبغي التأكيد هنا على أن أي محاولة لتناول العلاقات بين الإسلام والغرب لا يمكن أن تتم بمعزل عن البعد التاريخي والذي ألقى بدون شك تأثيره على مجريات إدراكات كل طرف للآخر في العصور المتأخرة.

وهنا نشير إلى أن مسيرة العلاقات بين الطرفين على مدى الفترة منذ ظهور الإسلام وحتى اللحظة الحاضرة اتسمت بفترات اشتد فيها الاحتكاك بين وحدات العالم الإسلامي والغرب حتى قبل أن يتخذ كل طرف شكله الذي أصبح عليه الآن. ومن العبارات ذات الدلالة في هذا الخصوص ما ذهب اليه ألبرت حوراني في كتابه تاريخ الشعوب العربية من أن .

. الإسلام منذ ظهوره يعتبر مشكلة بالنسبة للمسيحية الأوروبية، حيث إنه مع ظهور الإسلام أصبح ينظر له في الغرب بمشاعر مختلطة من الخوف والرفض.

ويعزز هذا الرأي على المستوى الغربي أستاذ للاداب بجامعة ولاية فلوريدا هو دانيال فيتكس حيث يذكر أن نظرة الغرب الحديثة للإسلام ولدت في فترة كانت علاقة أوروبا بالإسلام فيها علاقة خوف وقلق مما دفع الأوروبيين إلى تعريف الإسلام تعريفا ضيقا كاريكاتوريا كدين يملؤه العنف والشهوة يقوم على الجهاد العنيف في الحياة الدنيا والملذات الحسية في الآخرة.

على الصعيد العملي انعكس هذا النهج في النظر إلى الإسلام في تزايد النظر إليه على انه الخطر الحقيقي على العالم الغربي وحضارته. وإزاء تزايد هذه النظرة كان انعقاد العديد من المؤتمرات ناقشت علاقة الإسلام والغرب.

وهي عديدة لم تترك جانبا من هذه الجوانب إلا وتطرقت إليه، ورغم ذلك فإن العلاقة تزداد سواء يوما بعد يوم حتى ليبدو للمرء وكأن محاولات التهدئة تصب في خانة تعزيز وتأجيج العداء. هذا هو الواقع المر الذي نعيشه ولا يجد الكثيرون ممن تشغلهم هذه القضية سبيلا للخروج منه.

**مصطفى عبد الرازق