عن عمرو بن عوف الانصاري رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للانصار ذات يوم «ابشروا وامّلوا ما يسركم فوالله ما الفقر اخشى عليكم ولكني اخشى ان تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما اهلكتهم» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. متفق عليه.

رضي الله عن اصحاب النبي فقد كانوا رجالا ابطالا وتربوا في مدرسة الايمان فلم تشغلهم الدنيا ولم تفتنهم زينة الحياة لقد كانوا مع شدة فقرهم وقلة ما لديهم من مال وشدة احتياجهم اعزة للتقوى اعفاء كرماء قال عنهم الله «يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم».

ها هم يسمعون بقدوم ابي عبيدة رضي الله عنه من البحرين بمال عظيم بعد ان فتح الله على المسلمين البلاد فيوافون رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر يؤدون الصلاة معه وحين يعزم الرسول على الدخول الى بيته يتعرض اليه هؤلاء الفقراء بأدب ووقار.

لا يسألونه ان يقسم عليهم المال فقد كان الحياء يمنعهم من ابداء حاجتهم وإضطرارهم حتى لرسول الله صلى الله عليه وسلم يتعرضون له كأنهم يريدون السلام عليه ولكن الرسول عليه افضل الصلاة والتسليم يدرك بقوة البصيرة غرضهم ويعرف هدفهم فيبتسم لهم ابتسامة الرضى والاطمئنان ويبشرهم بحصول مطلبهم فيقول «ابشروا واملوا».

انها لتربية كريمة وتوجيه سليم وجه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه اليه فهو في هذه الحالة لا يترك اسداء النصح لهم ولا يقصر في توجيههم الوجهة الصحيحة فيلفت انظارهم بكلامه العذب الجميل الى معان سامية رفيعة ينبغي ان لا تغيب عنهم والا يغفلوا عنها وهي ان هذه الحياة بما فيها من زخرف ومتاع وبما تحويه من زينة لا تستحق ان يشقى الانسان من اجلها بل عليه ان يأخذ منها ما يكفيه.

وان يهتم بما يكون سببا لسعادته في الاخرة فالانسان مهما جمع من المال وكدس من ثروة تبقى نفسه متطلعة الى المزيد وصد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال «لو كان لابن ادم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا ولن يملأ فم بن ادم الا التراب ويتوب الله على من تاب.

وما اكرم هذا التوجيه النبوي الخالد الزاخر بالحكم والمواعظ.. ابن ادم عندك ما يفكيك وانت تطلب ما يطغيك ابن ادم لا بقليل تقنع ولا بكثير تشبع ابن ادم اذا اصبحت معافى في بدنك امنا في سربك «أي اهلك ووطنك» عندك قوت يومك فعلى الدنيا العفاء.

فالعاقل ينبغي الا يشغل نفسه بالشيء التافه ويترك النفس فكل ما في هذه الحياة من متع وشهوات ومن فتن ومغريات ومن زينة ليس طريقاً لسعادة الانسان لان السعادة الحقيقية ليست بالاملاك والقصور ولا بالذهب والفضة ولا بالمتاع انما هي في تقوى الله وغنى النفس وراحة الضمير».

ولست ارى السعادة جمع المال

ولكن التقي هو السعيد وتتجلى بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: ابشروا واملوا ما يسركم» انشاء طلبي والمراد هنا المؤانسة فقد خرج عن اصله وهو الوجوب الى معنى اخر وهو الاكرام وادخال المسرة الى القلب.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم في لفظ «ابشروا وامّلوا» ما يسمى في علم البديع بمراعاة النظير وهو الجمع بين امرين او امور مناسبة تزيد الكلام رونقا وجمالا فلفظ «املوا» متناسب جدا مع ابشروا.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم «فوالله ما الفقر اخشى عليكم» جملة خبرية لافادة المخاطب الحكم الذي تضمنته الجملة ويسمى فائدة الخبر وقد جاء مؤكدا بالقسم فوالله وفيه ايضا من الناحية البلاغية «تقديم ما حقه التأخير» للعناية به والاهتمام والاصل والله ما اخشى عليكم من الفقر.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم «ولكني اخشى ان تبسط الدنيا عليكم» مقابلة لطيفة فان الفقر يقابله الغنى وهو المعبر عنه بلفظ تبسط الدنيا أي تفتنوا وبسط الدنيا المراد منه سعة الرزق فهو كناية عن الغنى.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم »«فتنافسوها كما تنافسوها» فيه تشبيه يسمى مرسلا مجملا أي تتسابقون الى الدنيا كما تسابق من قبلكم من الامم فتهلككم كما اهلكتهم وفي هذا ايضا تشبيه يسمى مرسلا مجملا.