يعتبر الشيخ الجليل القارئ مصطفى إسماعيل أمير القراء بلا منازع وأعظم قارئ للقرآن في الأعوام المئة الماضية مع الشيخ محمد رفعت، وقد استطاع بموهبته الفذة في التلاوة أن يأسر قلوب مستمعيه قبل آذانهم فتربع على عرش التلاوة عن جدارة واستحقاق، وطوال رحلته القرآنية العظيمة كان ينتقل من نجاح إلى آخر حتى حصل على العديد من الأوسمة والجوائز التي تليق باسمه الذي انطلق من قرية «ميت غزال» مركز السنطة بمحافظة الغربية ليصل إلى مختلف أرجاء العالم الإسلامي.
الموهبة مثل الشمس لا يستطيع أحد أن يحجبها، هكذا كان حال القارئ «مصطفى إسماعيل» أمير القراء بلا منازع ولعله القارئ الوحيد الذي لا يختلف عليه اثنان في دولة التلاوة، فإذا كان «السميعة» أذواقا ومشارب لكل من حملوا آيات الذكر الحكيم عبر حناجرهم إلى العالم الإسلامي، فإن الشيخ «مصطفى» استطاع بما وهبه الله من قدرات فذة على جميع المستويات أن يتسلل إلى قلوب الجميع ويتربع على عرش التلاوة عن جدارة واستحقاق.
وتعتبر تسجيلاته كنزاً من كنوز الجنة التي أثلجت صدورنا ونقلتنا من عوالم البشر المحدودة إلى عوالم أخرى مترامية الأطراف فيها متعة روحية لا تعادلها متعة بشرية على الإطلاق.
له في كل تلاوة طريقة جديدة تحمل مفاجأة لمستمعيه.. فهو دائم التأرجح بنا على أحبال صوته يجذبنا إلى القمة وما أن نصل إليها حتى يسحبنا فجأة إلى القاع، وكانت له عبقرية فريدة في المقامات مما أهله إلى حسن الأداء الصوتي..
فكان يخرج كل حرف من مخرجه الأصلي فلا يشبه حرفاً بآخر معتنياً بإظهار التشديدات والغنات وإتمام الحركات وتفخيم ما يجب تفخيمه وترقيق ما يجب ترقيقه وقصر ما يجب قصره ومد ما يتعين مده والوقف على ما يصح الوقوف عليه، ولذلك يرى الكثيرون أن الشيخ «مصطفى إسماعيل» يعد أعظم قارئ للقرآن في الأعوام المئة الماضية مع الشيخ «محمد رفعت».
ولدالشيخ مصطفي إسماعيل» في قرية «ميت غزال» مركز السنطة بمحافظة الغربية في عام 1905 في أسرة ميسورة الحال فكان جده لوالده يمتلك مئات الأفدنة..
وكان «مصطفى» الابن الأكبر لأفراد الأسرة التسعة، وتوسم والده فيه خيراً فألحقه بأحد الكتاتيب التي كانت تشتهر بها هذه القرية وهو في السادسة من عمره وأخذ الطفل «مصطفى» يتعلم القرآن ومن كتاب إلى آخر ومن شيخ إلى آخر ولكنه لم يكن كسائر أترابه فيمن هم في مثل سنه .. كان له صوت مميز وطريقة في الأداء كشفت عن موهبة فطرية في السنوات الأولى .
وعندما بلغ الطفل الخامسة عشرة علا صوته يقرأ القرآن وسمعه مصادفة أحد الشيوخ الكبار ودخل ليرى هذا الفتى النابغة. .ونصح والده بأن يهتم بابنه وقال بأنه سيكون له مستقبل كبير لأنه يقرأ القرآن بطريقة مميزة.. ولأنه موهوب.
وفي الكتاب ظهر نبوغ الشيخ الصغير «مصطفى» فأصر جده على إرساله للمعهد الأحمدي بطنطا وهو معهد له مكانته الكبيرة في هذه المدينة التي تشتهر بتحفيظ القرآن وتعليم أحكامه..
وهناك بدأ الفتى يظهر نظراً لكثرة الرواد على المسجد الأحمدي وبدأ الناس يعرفونه لعذوبة صوته على الرغم من حداثة سنه واستمر الحال إلى سن العشرين وذاع صيته في معظم أرجاء محافظته والمحافظات الأخرى، وتعرف الشيخ «مصطفى» بأحد الأعيان في مدينة طنطا وهو الشيخ القصبجي الذي أعجب بقراءته وعندما توفي دعي للقراءة في مأتمه مع كبار المقرئين في ذلك الوقت وكان من بينهم الشيخ «محمد رفعت» الذي أعجب به كثيراً وقال بأنه سيكون له مستقبل ومكانة كبيرين بعد أن يتقن أحكام التجويد وفنون التلاوة.
الشيخ الأسطورة واستجابة لنصيحة الشيخ «رفعت» حرص القارئ «مصطفى» على تعلم المزيد من فنون التلاوة والتجويد ليلم بأصول القراءة الصحيحة ولمع نجمه وتألق ليصل بشهرته إلى جميع أنحاء مصر، يقول الشيخ «مصطفى إسماعيل» في مذكراته : «عندما توفي سعد زغلول أقيم له سرادق عزاء في جميع أنحاء مصر ودعيت إلى سرادق محافظة دمياط فكانت بمثابة انطلاقة لي إلى عالم الشهرة في القاهرة «.
وكان «مصطفى إسماعيل» شديد التذوق للقراءة المؤداة بالصوت الحسن والفن الجميل .. ولهذا انتقل من نجاح إلى آخر ولمع اسمه في سماء المقرئين وأصبح له مكانته وشعبيته ومحبوه ليس في مصر وحدها ولكن في جميع أنحاء العالم وترجم محبوه تقديرهم له من خلال أوسمة وجوائز حصل عليها، فمن لبنان حصل على وسامين برتبة ضابط والثاني وسام الأرز الوطني من طبقة كوماندوز ووسام الاستحقاق من سوريا، كما أهدى له الرئيس التركي عام 73 مصحفاً مكتوباً بماء الذهب.
أما في مصر فقد منح في عيد العلم وساماً كان أول وسام يناله قارئ للقرآن عام 1965 وقد طاف الشيخ «مصطفى إسماعيل» بالعديد من الدول شرقاً وغرباً حيث قرأ القرآن في باريس وبون وكراتشي ودول بآسيا وجميع الدول العربية الشقيقة بما فيها فلسطين المحتلة - قرأ في القدس مرتين الأولى عام 1960 .
والثانية عام 1977 كما طاف بعشرات الدول الافريقية التي تضم الملايين من الجاليات الإسلامية وحظي بتكريم رؤساء الدول - وقد عاش الشيخ أفضل أيامه حيث أقام بين الجاليات في البلاد التي زارها فقد كان المسلمون يستمعون إليه بالساعات تحت وابل المطر المنهمر من أجل الاستماع والاستمتاع بآيات الذكر الحكيم.
ولقد شهدت حياة الشيخ مصطفى إسماعيل العديد من المواقف المؤثرة في حياته، وكانت بمثابة نقطة تحول، أولها عندما سمع عن وجود رابطة للقراء فسعى للاشتراك فيها والتقي برئيس الرابطة الشيخ «الصيفي» في أوائل عام 1943 الذي استمع لصوته وانبهر به وبأسلوبه في القراءة ليكافئه باختياره لإحياء ليلة الرابطة بالمسجد الحسيني للاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف.
حيث قرأ نصف ساعة نقلتها الإذاعة على الهواء مباشرة - وانطلق صوت الشيخ الواعد الفذ لأول مرة عبر الأثير مما تيسر له من سورة التحريم وكانت الليلة بداية عهد جديد في دولة التلاوة حيث تخطى صوت الشيخ «مصطفى إسماعيل» الحدود إلى مختلف أرجاء العالم الإسلامي.
وكانت نقطة التحول الثانية في حياته - وبعدها تفتحت أبواب المجد على مصراعيها له حيث سمعه «مراد محسن باشا» ناظر الخاصة الملكية وأرسل في طلبه بعدها لإحياء الذكري السابعة لرحيل الملك «فؤاد» عام 1943، وقرأ الشيخ أمام الملك «فاروق» وكبار الدولة - وقد عوض الله السميعة به عن الشيخ «محمد رفعت» الذي احتبس صوته في نفس العام، وتتواصل الرحلة القرآنية المباركة .
ويتم اختياره لإحياء احتفالات شهر رمضان المعظم مع الشيخ «أبو العينين شعيشع» في مقر الملك «فاروق» بقصر رأس التين بالإسكندرية ليصافح صوته آذان المستمعين على مدي ثلاثين يوماً، ومن النقط الفاصلة في حياته أيضاً اختياره فارئاً للسورة بالجامع الأزهر الشريف سنة 1947 على الرغم من عدم اعتماده بالإذاعة، حيث اعترض كبار المعتمدين بالإذاعة على هذا الاختيار لكن مساندة الشيخ «عبد الفتاح القاضي» عالم القراءات .
والشيخ «علي الضباع» شيخ المقارئ المصرية- إلى جانب حماس «مراد محسن باشا» وسمحمد حيدر باشا» القائد العام للجيش المصري آنذاك - حسمت المعركة لصالح الشيخ «مصطفى» وانطلق صوته من رحاب الأزهر ليعانق آذان المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها - واعتمد بالفعل إذاعياً سنة 1948 وشارك في لجنة اختياره الشيخ «عبد الفتاح الشعشاعي».
القاهرة: خالد محمد غازي