مع أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين، اجتاحت شعوب العالم، موجة البحث عن الهويَّة المحليّة وتأكيدها في الثقافة والأدب والفنون، ومن بين هذه الأمم، أمتنا الإسلامية والعربيّة التي عانت من الاستعمار القديم والحديث، وهي لا تزال تعاني من مخلفاته وتحدياته وأشكاله الأشد خبثاً وخطراً، خاصة موجة العولمة التي تريد اقتلاعنا من جذورنا، وإلغاء مظاهر تراثنا وتفردنا وخصوصيتنا العربيّة الإسلاميّة.
وجد الفنان العربي نفسه أمام خيارين رئيسيين: فإما أن يحقق هذه الهويّة، عبر الموضوعات والمضامين والملامح الإنسانية العربية والإسلاميّة الخاصة، أو عبر معطيات تراثية عربيّة وإسلاميّة محددة تجلت في أكثر من منحنى واتجاه، لعل أبرزها وأهمها، القدرات التشكيليّة والتعبيريّة المتميزة للحرف العربي، إضافة إلى المعطيات الزخرفية التي طالما اقترنت بهذا الخط وتكاملت معه، وأخذت طريقها إلى أكثر من منجز فني تشكيلي وتطبيقي ومعماري.
وهكذا ولد اتجاه فني تشكيلي عربي وإسلامي معاصر قائم بذاته اصطلح على تسميته بـ (الحروفيّة). وهذا الاتجاه، يغطي الآن الحيوات التشكيلية العربيّة والإسلاميّة كافة، بإيقاعات متفاوتة الحضور والفعل، متلونة الأشكال والصياغات وطرائق المعالجة، يشتغل فيه اليوم، عدد كبير من الفنانين التشكيليين والتطبيقيين والمزخرفين والخطاطين والمعماريين العرب والمسلمين، وكلهم يرفعون يافطة عريضة هي: العمل على خلق منجز فني بصري جديد، يُوفق بين عصر انتهكته الخروقات التقانية الهائلة.
وتراث عربي إسلامي وشعبي عريق، اختلفت النظرة إليه، وتعددت، لكن الجميع أقرَّ بأهمية وضرورة التمسك به، خاصة في هذا العصر الذي تعمل فيه جهات عديدة، لاقتلاعه وإلغائه، ليس في بلادنا العربيّة والإسلاميّة فحسب، وإنما في كافة البلدان المالكة لمثل هذا التراث المُشكّل لهويتها وخصائصها ومقومات تفردها، تمهيداً لسيادة العولمة واجتياحها للشعوب والأمم كافة، بهدف تحويل إنسانها المعاصر، إلى متلقٍ سلبي جاهز للتحرك وفق توجيهات المُستَغِلين ومصالحهم.
اختلفت وتعددت النظرة إلى الحروفيّة، من قبل الخطاطين والتشكيليين والمزخرفين والمعماريين والحرفيين. بعضهم رحب بها وشجعها واعتبرها الطريق الأمثل، لربط التراث بالمعاصرة، وتأكيد الهويّة المحلية المتميزة، في المنجز البصري الجديد، سواء كان إبداعياً أو تطبيقياً، وعملية تأكيد الهوية هذه، تحوّلت إلى إشكاليّة وهَمّ، ليس لدى التشكيليين فحسب، بل لدى كافة المتعاملين مع ألوان وأجناس الإبداع المختلفة، كالرواية، والقصة، والمسرح، والسينما، والموسيقا وغيرها.
البعض من الباحثين في هذا الحقل، يرون أن مسألة التراث والمعاصرة في حياتنا الثقافية العربيّة الحديثة، تحولت إلى ما يشبه حرب داحس والغبراء، لكثرة ما شهدت من أخذ ورد، بين مؤيد ومناصر.
ومعارض ورافض، للجمع بينهما، في الوقت الذي يرون فيه أن القضية هنا محسومة حتماً، إذ لا انفصام أو انفصال أو تنافر بين التراث والمعاصرة، بأي شكلٍ من الأشكال، ما يحتم الكف عن الجدل حول هذه المسألة وحسمها والتوجه إلى قضايا وإشكالات أخرى، في ثقافتنا المعاصرة، أكثر إلحاحاً وأهميةً من موضوع محسوم، افتُعلَ حوله كل هذا اللغط، لإشغالنا عن المسائل الجوهريّة والأساسيّة في ثقافتنا وحياتنا، بهدف تكريس ضياعنا الذي خلفه الاستعمار في حياتنا المعاصرة، ومازال يمارسه فيها، بهذا الشكل أو ذاك، بغية جعلنا في حاجة دائمة إليه وإلى إنجازاته الثقافيّة والتقانيّة المحتاجة دوماً، إلى مستهلكين ومتلقين سلبيين.
د. محمود شاهين
