المرأة يراها البعض نصف المجتمع بل هي كل المجتمع عند آخرين، فهي الأم مصدر الحنان والعطاء والأخت صاحبة المكانة الكبيرة والزوجة التي هي السكن والمأوى والصدر الحنون، كذلك هي الابنة صاحبة الحضور والحب الكبير عند والدها.. كيان يعظمه الإسلام ويجله ويحيطه بقدر كبير من الرعاية والأمان.

ورغم ذلك كله يتهم الحاقدون الكارهون هذا الدين الحنيف بأنه يظلمها ويمارس ضدها التعسف ويجعل منها مجرد خادمة للرجل ووعاء يضع فيه الماء ليكون جنينًا فيولد طفلاً.. بل تعدى بعض هؤلاء الكارهون أصحاب الجهالة حدود المسموح بأن طالب المسلمين بأن يعيدوا النظر في مكانة المرأة في شريعتهم ليجعلوا منها مخلوقًا يرقى للمستوى الآدمي وهم في ذلك فاقدون لصحيح التصور الذي وضعه الإسلام للمرأة.

في مقدمة كتابه يقول د. محمود عمارة : حاول بعض المتسرعين رسم صورة للمرأة المسلمة من خلال بعض الأحاديث النبوية، والتي أوردوها وفسروها على هواهم، فبدت صورتها على غير حقيقتها، كما هي في ضوء القرآن والسنة المطهرة، الأمر الذي يفرض علينا ولاء للحق أن نحررها من بين هذه الظنون والأوهام، حتى تستعيد المرأة المسلمة ملامحها الأصلية.

وليست الدخيلة إلى الحد الذي يستيقن فيه المرتابون كيف تتبوأ المرأة مكانها العالي كشريك فاعل في ترقية الحياة، وكيف تقف مع الرجل في خندق واحد تتعاون معه على البر والتقوى، ونقصد بما نكتب صنفين من الناس، المسترشدين الراغبين في معرفة الحق للعمل به، والجماهير المخدوعة بما يروجه المعاندون ليعلموا أن الحق أكبر من أن يرعى أحد احتكاره مهما كان موقعه.

ضرورة قصوى

ويبدأ د. محمود مؤلفه بالحديث حول تفسير الآية الكريمة التي يقول فيها رب العزة: «وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى » (الأحزاب: 33)، موضحًا أن الإسلام عندما أباح للمرأة أن تخرج من بيتها لتباشر عملا ما، قد كان ذلك لضرورة قصوى، من حيث كان العمل ابتداء معقودا بناصية الرجل، فهو المسؤول الأول عن نفقة البيت.. ومن ثم يكون الخروج للضرورة فلا بأس من خروجها للعمل، تبتغي فضلاً من ربها إذا دعت الحاجة.

ولكن تلك الرخصة مشروطة بأن تخرج متشحة بعفتها.. فإذا كان في العمل عدوان على هذه العفة، فإن الإسلام يرفضه، لأنه يفقدها أعز ما لديها. ويؤكد د. محمود أنه في هذا الإطار فسر المغرضون هذه الآية على هواهم، وبالتالي كانت النتائج المترتبة عليه خاطئة، فالآية لا يمكن أن نفسرها منزوعة من سياقها وسياق الآية يعبر عن أنه أمر النساء بمجموعة من الفضائل الإنسانية التي لا تنهض البيوت إلا عليها وهي:

لا تخضعن بالقول، وقلن قولا معروفًا وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة، وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله واذكرن في بيوتكن من آيات الله والحكمة، ومن ثم يأتي أمر الله بالمكوث في البيوت حماية للمرأة لتظل كالبيض المكنون لا تدنسها يد لامس، وليس وأدًا ولا سجنًا، فهذه القيم تحمي المرأة من الابتذال وتحمي الرجال من الإثارة، وهذه هي الحرية المحسوبة للإسلام وليست المحسوبة عليه.

ليست متعة حيوانية

ويرى د. محمود أن القول بأن الإسلام حكم على المرأة بالموت الأبدي حين جعل قرارها في البيت الذي صار محبسًا لها وهي رهينة فيه تجاوز لكل الخطوط الحمراء، خاصة أنه قد ظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن المرأة في مرآة الإسلام شخصية تعيش في بؤرة الشعور، وليس على هامش الحياة، ففي هذه الآية تبدو المرأة بملامحها المشتقة من المروءة، وكثيرًا ما وضح القرآن الكريم هذه المروءة كتلك الصورة التي رسمت للمرأة في سورة القصص في قوله تعالى:

«ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تزودان، قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاة وأبونا شيخ كبير » (القصص: 23)، فالمرأة تعمل بعدما عجز الرجل عن العمل وتعمل ما يناسبها من الأعمال، وفي سبيل كرامتها وعفتها تتحمل المشاق، وتفضل أن تكون آخر من يسقي على ألا تبيع شرفها بدنياها.

ويشير مؤلف الكتاب إلى أن الإسلام لم يحكم على المرأة بالسجن المؤبد في بيتها، ولم يقم حولها التحصينات المانعات من الحركة، والعمل خارج البيت كما يزعم الزاعمون، فالواقع التاريخي يشهد ببطولات المرأة المسلمة على جبهة القتال، فهي شريكة للرجل في ترقية المجتمع بالوقوف معه في خندق واحد في اتجاه البناء والتعمير والدفاع عن الوطن، مما يؤكد أن أمرهن بالقرار في البيوت لم يكن أبديًا، فقد كان لأمهات المؤمنين دور فعال على أرض المعارك العسكرية..

إذن فالقرار هو الأصل حفاظًا على المرأة من الابتذال وصيانة لها من الذئاب العاوية، ولكن ذلك لم يلغ شخصيتها ولم يجعلها كما مهملاً، إنما كان لها دورها المؤثر في مجرى الأحداث.

طاعة الزوج

وينتقل المؤلف ليناقش التغير الموضوعي لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: «لو كنت آمرًا أحدا يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها»، مشيرًا إلى أن تفسير هذا الحديث لا يكون إلا من خلال التعرف على الموقف الذي قيل فيه.

حيث إنه لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال النبي: ما هذا يا معاذ؟!، فرد معاذ: أتيت من الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم فوددت في نفسي أن أفعل ذلك لك، فقال صلى الله عليه وسلم: فلا تفعلوا.. فإني لو كنت آمرًا أحدا...».

إلى نهاية الحديث، ومن ثم كان المراد من هذا الحديث ـ بيان عظم حق الرجل على زوجته، هذا الحق الذي تؤكده أحاديث أخرى تجعل طاعة الزوج أمرا مفروغًا منه. ويعدد د. عمارة هذه الأحاديث الدالة على عظم أثر طاعة الزوجة لزوجها، فيذكر حديثه صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده: لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على ظهر قتب.. لم تمنعه»، وحديثه أيضًا القائل فيه:

لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر.. لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها: من عظم حقه عليها، والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنجس بالقيح والصديد، ثم استقبلته تلحسه.. ما أدت حقه.

ويحاول المؤلف من خلال كتابه الرد على شبهة المدعين بأن الإسلام أعطى للزوج حق ضرب زوجته دون مسألة قائلاً: ربما يظن بعض المتسرعين خطأ أن الحديث الشريف القائل:

«لا يسأل الرجل فيما ضرب امرأته» يعني أن الرجل له الحق المطلق في ضرب زوجته إلى الحد الذي لا يجوز لأحد أن يسأله عن سبب ضربه لها، لأن ذلك يعتبر تدخلاً في شؤونه الداخلية.. وهذا فهم خاطئ والصحيح أن الإسلام حدد كل ما يتعلق بهذا الضرب، فالآلة المسموح الضرب بها هي إما حزمة من النبات الأخضر أو قضيب من شجر «الأرك» بحجم الأصبع الوسطى، أما كيفيته: فهو الضرب غير المبرح أي الهين الذي لا يكسر عضوا ولا يحدث تشوها، ومكانه:

فيجب تجنب الوجه الذي هو أكرم ما في الإنسان، أما عدد الضربات المشروعة فهي لا تتعدى الثلاث ضربات، ويشرع هذا الضرب عند الضرورة القصوى. ويوضح د. محمود عمارة أن هذه الضرورة القصوى للضرب تكون مسبوقة بالوعظ والهجر في الفراش، ويكون الضرب لسببين وهما إقناعها عن تلبية رغبة زوجها الجنسية .

ولم يكن لديها عذر شرعي، وتمردها أو نشوزها وسعيها لتشكيل دولة داخل دولة بيتها أو صارت مركز قوة يهدد البيت بالخطر، ورغم أن الإسلام يقرر للزوج حق ضرب زوجته بالضوابط السابق ذكرها إلا أنه يؤكد في الوقت ذاته أن الأخيار من الأزواج من شأنهم أن تمنعهم خيريتهم من الضرب، لأنه وسيلة العاجز وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «... ولن يضرب خياركم».

ناقصات عقل ودين

وفي تناول رده على من يرون ظلم الإسلام للمرأة بجعلها أقل دينا وعقلاً من الرجل يؤكد المؤلف أن هذا الفهم الخاطئ جاء بناء على قراءة خاطئة لحديث نبوي يقول فيه صلى الله عليه وسلم: «... ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من احلاكن يا معشر النساء...» .

ومقصود الحديث ـ أنه لما كان من طبع النساء أنهن عاطفيات.. يستبد بهن الانفعال الغاضب.. فإنهن يخاصمن غيرهن بدافع من هذا الانفعال الغاضب فيتجاوزن الحد بسبب هذا المزاج الحاد، بل والذهاب بعقل الرجل الحازم.. واللب الضابط لأمره، وهذا ما فيه من قدرة المرأة الفائقة على هزيمة الصفوة من الرجال، فكيف بمن سواهم من العامة؟

ويعني ذلك أن صحيفة المرأة وإن كانت عامرة بالحسنات ورصيدها في بنك الخير وفير، إلا أن ما في طبعها من حدة وشدة من شأنه أن يسحب رصيد حسناتها الذي يوشك أن ينفد بهذا التطاول وهذا الدهاء، ولذلك عليها أن تتدارك ذلك قبل أن تعلن إفلاسها، ولذلك فالحديث يضاف إلى حساب المرأة وليس عليها، لأنه يرشدها إلى ما به تتساوى مع الرجال حتى تعتدل كفتا الميزان.

أما عن أمر النقصان في الدين والعقل فهو أمر هين فنقصان الدين لأنها حين تحيض لا تصلي، ونقصان العقل ينتج عن غلبة العاطفة عليها ومن ثم تكون شهادتها نصف شهادة الرجل، ورغم ذلك يعلي الإسلام من شأن المرأة التي هي مع الرجل صنوان وشقيقان.

إضافة إلى أن المرأة لا دخل لها في هذا النقص إنما هو من أصل الخلقة والجبلة، وما بأصل الخلقة لا يلام عليه، وعوج الرجال وإن لم ينص عليه هنا فلا يعني براءة الرجال كلهم من الخلل، والواقع التاريخي شاهد بذلك، مؤكدا سبق المرأة أحيانًا وتخلف الرجل والواجب هو التواصي بالخير.

الجنة والنار

وتحت عنوان «النساء والنار» يسعى د. عمارة للوقوف على المقصود الحق من الحديث الشريف: «اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء» مؤكدًا أن هذا الحديث وارد في معرض التحذير وبخاصة النساء.. التحذير من كل عمل يؤدي إلى النار بقدر ما كان ترغيبا في كل عمل يؤدي إلى الجنة..

والتحذير نعمة كبرى يقي النساء من مزالق الخطر.. حتى لا تزال قدم بعد ثبوتها، وما يدل ذلك عليه من رأفة المحذر ورحمته حتى لا تسحبهن رمال الدنيا الناعمة إلى هوة الشتاء، وللجميع أن يتصوروا رجلاً صارم الملامح، متجهم القسمات، ولكن في المواقف الإنسانية يطل بوجهه العبوس إنسانًا يحبك ويشفق عليك.

القاهرة ـ رمضان أبو إسماعيل: