هو أبو سعيد البصري الإمام الفقيه المشهور، أحد التابعين الكبار الأجلاء علماً وعملاً وإخلاصاً، عرفه ابن كثير فقال: اسم أبيه يسار، وكني الحسن بأبي سعيد، مولى زيد بن ثابت، وأمه خيرة مولاة لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، تخدمها وأحياناً ترسلها في الحاجة فتشتغل عن ولدها الحسن .
وهو رضيع، فتشاغله أم سلمة بثدييها فيدران عليه فيرضع منهما، فكانوا يقولون ويرون أن تلك الحكمة والعلوم التي أوتيها الحسن من بركة تلك الرضاعة من الثدي المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال أنس مرة: إني لأغبط أهل البصرة بهذين الشيخين: الحسن وابن سيرين، روى ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: كان الرجل يتعبد عشرين سنة لا يشعر به جاره، وأحدهم يصلي ليلة أو بعض ليلة فيصبح وقد استطال على جاره، وإن كان القوم ليجتمعون فيتذاكرون، فتجيء الرجل عبرته فيردها ما استطاع فإن غلب قام عنهم!
وهنا يدعو الحسن رضي الله عنه إلى إخفاء الحال التي تشي بالاجتهاد في العبادة، أو رقة القلب فيقول: تنفس رجل عند عمر بن عبد العزيز فلكزه عمر قائلاً: إن في هذا لفتنة. وروى الطبراني عن الحسن قوله: إن قوماً ألهتهم الأماني بالمغفرة ورجاء الرحمة، حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم أعمال صالحة، يقول أحدهم:
إني لحسن الظن بالله، وأرجو رحمة الله، وكذب لو أحسن الظن لأحسن العمل لله، ولو رجا رحمة الله لطلبها بالأعمال الصالحة، يوشك من دخل المفازة من غير زاد ولا ماء أن يهلك!
وروى عنه ابن أبي الدنيا قوله: «حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور، وأقنعوا هذه الأنفس فإنها تنزع إلى شر غاية».
وقال مالك بن دينار: قلت للحسن: ما عقوبة العالم إذا أحب الدنيا؟ قال: موت القلب، فإذا أحب الدنيا طلبها بعمل الآخرة، فعند ذلك ترحل عنه بركات العلم ويبقى عليه رسمه!
وروى الفتني عن أبيه قال: عاد الحسن عليلاً فوجده قد شفي من علته، فقال: أيها الرجل، إن الله قد ذكرك فاذكره، وقد أقالك فاشكره، إنما المرض ضربة سوط من ملك كريم، فإما أن يكون العليل بعد المرض فرساً جواداً، وإما أن يكون حماراً عثوراً معقوراً!
وروى العتبي عن أبيه أيضاً قال: كتب الحسن إلى فرقد ـ أحد مشاهير الزهاد في عصره ـ أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله، والعمل بما علمك الله، والاستعداد لما وعد الله، مما لا حيلة لأحد في دفعه، ولا ينفع الندم عند نزوله، فاحسر عن رأسك قناع الغافلين، وانتبه من رقدة الجاهلين.
وشمر الساق، فإن الدنيا ميدان مسابقة، والغاية الجنة أو النار، فإن لي ولك من الله مقاماً يسألني وإياك فيه عن الحقير والدقيق، والجليل والخافي، ولا آمن أن يكون فيما يسألني وإياك عنه: وساوس الصدور، ولحظ العيون، وإصغاء الأسماع، وما أعجز عنه!
وروى ابن قتيبة عنه (أي عن الحسن) أنه مر على باب (ابن هبيرة)، فرأى القراء جلوساً على باب ابن هبيرة، فقال طفحتم نعالكم، وبيضتم ثيابكم، ثم أتيتم إلى أبوابهم تسعون! وروى الخرائطي عن الحسن أنه كان إذا اشترى شيئاً وكان في ثمنه كسر جبره لصاحبه، ومر الحسن بقوم يقولون:
نقص دانق ـ أي عن الدرهم الكامل والدينار الكامل ـ إما أن يكون درهماً ينقص نصفاً أو ربعاً، والعشرة تسعة ونصف، وقس على هذا، فكان الحسن يستحب جبران هذه الأشياء، وإن كان اشترى السلعة بدرهم ينقص دانقاً ـ كمله درهماً، أو بتسعة ونصف كملها عشرة، مروءة وكرماً!
وقال عبد الأعلى السمسار: قال الحسن: يا عبد الأعلى.. أما يبيع أحدكم الثوب لأخيه فينقص درهمين أو ثلاثة؟ قلت: لا والله ولا دانق واحد، فقال الحسن: فأين المروءة إذن؟! وباع بغلة فقال له المشتري: أما تحط لي شيئاً يا أبا سعيد؟ قال: لك خمسون درهماً، أزيدك؟ قال: لا رضيت، قال: بارك الله لك!
وروى ابن أبي الدنيا عن حمزة الأعمى قال: ذهبت بي أمي إلى الحسن فقالت: يا أبا سعيد: ابني هذا قد أحببت أن يلزمك فلعل الله أن ينفعه بك، قال: فكنت أختلف إليه، فقال لي يوماً: يا بني أدم الحزن على خير الآخرة، لعله أن يوصله إليه، وابك في ساعات الليل والنهار في الخلوة لعل مولاك أن يطلع عليك فيرحمك ويرحم عبرتك فتكون من الفائزين.
قال: وكنت أدخل عليه منزله و هو يبكي، وربما جئت إليه وهو يصلي فأسمع بكاءه ونحيبه، فقلت له يوماً: إنك تكثر البكاء، فقال: يا بني، ماذا يصنع المؤمن إذا لم يبك؟ يا بني إن البكاء داع إلى الرحمة، فإن استطعت أن تكون عمرك باكياً فافعل، لعله تعالى أن يرحمك، فإذا أنت نجوت من النار.
وقال: ما هو إلا حلول الدار إما لجنة وإما لنار، ما هناك منزل ثالث. وقال: لو أن باكياً بكى في ملأ من خشية الله لرحموا جميعاً، وليس شيء من الأعمال إلا وله وزن، إلا البكاء من خشية الله فإنه لا يقوم الله بالدمعة منه شيئاً، وقال: ما بكى عبد إلا شهد عليه قلبه بالصدق أو الكذب!
وروى ابن أبي الدنيا عنه في كتاب اليقين، قال: من علامات المسلم قوة دين، وحزم في لين، وإيمان في يقين، وحكم في علم، وإعطاء في حق، وقصد في غنى، وتحمل في فاقة، وإحسان في قدرة، وطاعة معها نصيحة، وتورع في رغبة، وتعفف وصبر في شدة، لا ترديه رغبته، ولا يبدره لسانه، ولا يسبقه بصره، ولا يغلبه فرجه، ولا يميل به هواه، ولا يفضحه لسانه، ولا يستخفه حرصه، ولا تقصر به نيته!
وروى ابن أبي الدنيا أيضاً عنه: قال: قال لقمان لابنه:
يا بني، العمل لا يستطاع إلا باليقين ومن يضعف يقينه يضعف عمله، وقال: يا بني، إذا جاءك الشيطان من قبل الشك والريب، فاغلبه باليقين والنصيحة، وإذا جاءك من قبل الكسل والسآمة فاغلبه بذكر القبر والقيامة، وإذا جاءك من قبل الرهبة والرغبة فأخبره أن الدنيا مفارقة متروكة. وقال الحسن: ما أيقن عبد بالجنة والنار حق اليقين، إلا خشع وذل واستقام واقتصد حتى يأتيه الموت.
وقال: باليقين طلبت الجنة، وباليقين هربت من النار، وباليقين أديت الفرائض على أكمل وجهها، وباليقين أصبر على الحق، وفي معافاة الله خير كثير، قد والله رأيناهم يتعاونون في العافية، فإذا نزل البلاء تفارقوا. وقال: الناس في العافية سواء، فإذا نزل البلاء تبين عنه الرجال! وقال لائماً لبعض المحسوبين على القرآن وقراءته:
إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، لم يأتوا الأمر من قبل أوله، قال الله عز وجل: (كتاب أنزلناه مبارك ليدبروا آياته وليذكر أولوا الألباب) وما تدبر آياته إلا أتباعه. أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كله فما سقط منه حرف واحد، وقد والله أسقطه كله، ما يرى له القرآن في خلق أو عمل، حتى إن أحدهم ليقول:
إني والله لأقرأ السورة في نفس واحد، لا والله ما هؤلاء بالقراء ولا بالعلماء ولا الحكماء ولا الورعة، ومتى كانت القراءة هكذا؟! أو يقول مثل هذا، لا أكثر الله في الناس مثل هؤلاء، ثم روى الحسن عن جندب قال: قال لنا حذيفة: هل تخافون من شيء؟!
قال: قلت: والله إنك وأصحابك لأهون الناس عندنا، فقال: أما والله الذي نفسي بيده لا تؤتون إلا من قبلنا، ومع ذلك بشيء آخر يكون في آخر الأمة، يقرأون القرآن، ينثرونه نثر الدقل (التمر الرديء جداً يتخلص منه الناس لرداءته) لا يجاوز تراقيهم، تسبق قراءتهم إيمانهم!!
وفي ذم الغيبة روي عنه: والله للغيبة أسرع في دين المؤمن من الأكلة في جسده، وكان يقول: ابن آدم، إنك لن تصيب حقيقة الإيمان حتى لا تصيب الناس بعيب هو فيك، وحتى تبدأ بصلاح ذلك العيب فتصلحه من نفسك، فإذا فعلت ذلك كان ذلك شغلك في طاعة نفسك وأحب العباد إلى الله من كان هكذا.
وقال الحسن: ليس بينك وبين الفاسق حرمة، وقال: ليس لمبتدع غيبة، وسئل: الرجل الفاجر المعلن بفجوره، ذكرى له بما فيه غيبة؟! قال: لا ولا كرامة، وقال: إذا ظهر فجوره فلا غيبة له، وقال: ثلاثة لا تحرم عليك غيبتهم: المجاهر بالفسق، والإمام الجائر، والمبتدع! وقال له رجل: إن قوماً يجالسونك ليجدوا بذلك إلى الوقيعة فيك سبيلاً، فقال:
هون عليك يا هذا، فإني أطمعت نفسي في الجنان فطمعت، وأطمعتها في النجاة فطمعت، وأطمعتها في السلامة من الناس، فلم أجد إلى ذلك سبيلاً، فإن الناس لم يرضوا عن خالقهم وأرزاقهم، فكيف يرضون عن مخلوق مثلهم؟ وقال: كانوا يقولون من رمى أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتى يصيب ذلك الذنب.
وقال الحسن: قال لقمان لابنه: يا بني، إياك والكذب، فإنه شهي كلحم العصفور عما قليل يقلاه صاحبه، وقال الحسن: اعتبروا الناس بأعمالهم ودعوا أقوالهم، فإن الله عز وجل لم يدع قولاً إلا جعل عليه دليلاً من عمل يصدقه أو يكذبه، فإن سمعت قولاً حسناً فرويداً بصاحبه، فإن وافق قوله عملاً فنعم ونعمت عين أخته وأخيه. وإذا خالف قول عملاً فماذا يشبه عليك منه؟ أم ماذا يخفى عليك منه؟
أم ماذا يخفى عليك منه؟ إياك وإياه لا يخدعنك كما خدع ابن آدم، إن لك قولاً وعملاً، فعملك أحق بك من قولك، وإن لك سريرة وعلانية، فسريرتك أحق بك من علانيتك، وإن لك عاجلة وعاقبة، فعاقبتك أحق بك وأولى من عاجلتك! وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن: كيف حبك الدينار والدرهم؟ قال: لا أحبهما، فكتب إليه:
تول فإنك تعدل. وقال إبراهيم بن عيسى: ما رأيت أطول حزناً من الحسن، وما رأيته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبة. وقال مسمع: لو رأيت الحسن لقلت: قد بث عليه حزن الخلائق. وقال يزيد بن حوشب: ما رأيت أحزن من الحسن، وعمر بن عبد العزيز، كأن النار لم تخلق لغيرهما، وقال ابن أسباط عنه إنه قال:
ابن آدم، إنك ناظر غداً إلى عملك يوزن خيره وشره، فلا تحقرن شيئا من الشر أن تتقيه، فإنك إذا رأيته غدا في ميزانك ساءك مكانه ولا تحقرن شيئا من الخير وإن صغر أن تأتيه، فإنك إذا رأيته غداً في ميزانك سرك مكانه!