الحديث مع فضيلة الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي مليء بالفائدة فهو إضافة إلى كونه فقيهاً إسلامياً وداعية مفوهاً، هو أيضاً رجل علم درس العلوم الطبيعية ومن هنا تكتسب خطبه ودروسه أهمية في هذا الزمن.
(البيان ) التقت الدكتور النابلسي بمناسبة شهر رمضان ، وكان هذا الحوار:
ـ فضيلة الدكتور : هل تحدثنا عن فضائل الصيام في شهر رمضان؟
ـ الصوم عبادة من أجلّ العبادات، وقربة من أشرف القربات، وطاعة مباركة، لها آثارها العظيمة، والكثيرة، والعاجلة، والآجلة ؛ من تزكية النفوس، وإصلاح القلوب، وحفظ الجوارح من الفتن، والشرور، وتهذيب الأخلاق، وفيها من الإعانة على تحصيل الأجور العظيمة، وتكفير السيئات المهلكة، والفوز بأعلى الدرجات.
والصوم عمل اختصه الله من بين سائر الأعمال، ففي الحديث القدسي الصحيح عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ اللَّهُ: ((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ... )) .(صحيح البخاري).
فكفى بذلك تنبيهاً على شرفه، وعظم موقعه عند الله مما يؤذن بعظم الأجر عليه، فبإضافة الله تعالى الجزاء على الصيام إلى ذاته العليا تنبيه على عظم أجر الصيام، وأنه يضاعف عليه الثواب أعظم من سائر الأعمال، ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِئَة ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ)).
والإخلاص أظهر في الصيام من غيره بين العبادات، فإنه سر بين العبد وربه، لا يطلع عليه غيره، إذ بإمكان الصائم أن يأكل ويشرب متخفياً عن الناس، فإذا حفظ صيامه عن المفطرات ومنقصات الأجر دل ذلك على كمال إخلاصه لربه، وإحسانه العمل ابتغاء وجهه، ولذا يقول الله عز وجل في الحديث القدسي:
((يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي))، فنبه سبحانه على وجه اختصاصه، وبالجزاء عليه، وهو الإخلاص، والصيام جنة، يقي الصائم ما يضره من الشهوات، ويجنبه من الآثام التي تجعل صاحبها عرضة لعذاب النار، وتورثه الشقاء في الدنيا والآخرة، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ دَخَلْتُ مَعَ عَلْقَمَةَ وَالأسْوَدِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَابًا لا نَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)). (صحيح البخاري).
ومعنى ذلك أن الصوم قامع للشهوة فيقي صاحبه عنة العذوبة ومخاطرها، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ: ((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ)). (صحيح البخاري).
وفي المسند عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّمَا الصِّيَامُ جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)). (مسند الإمام أحمد).
ـ كيف يتجلى البناء الأخلاقي في المجتمع المسلم من خلال فريضة صوم رمضان؟
ـ يتجلى البناء الأخلاقي في الرقي بالنفس إلى مدارج العبودية، والتخفف من أوزار الطين، وثقل الأرض لتستشرف النفس آفاق الإيمان، وتستشعر شيئاً من الأنس بالقرب من فاطرها وبارئها، وتسبح في ملكوتها.
فالإنسان إنسان بروحه وشفافيته قبل أن يكون إنساناً بجسده.
يتجلى في الإيثار، والإحسان، ومعايشة آلام الآخرين، ومقاسمتهم السراء والضراء وذوق شيء مما يجدون، ولأن ذاقه الصائم تعبداً واختياراً فلقد ذاقه الفقراء عجزاً واضطراراً، ولئن عاناه الصائم وقتاً محدوداً فهو عندهم عناء ممدود، ولهذا كان رمضان شهر الزكاة كما سماه سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، ونهايته زكاة الفطر التي يشارك المسلمون فيها الإحساس بفرحة العيد، فلا يدعون أحداً منه إلا وواسوه، حتى فقراؤهم يخرجون زكاة الفطر ان قدروا ليذوقوا طعم الإنفاق ولو مرة في العام.
ويتجلى في الإمساك بزمام النفس عن اندفاعاتها وحماقاتها عن صاحبها، فالصائم مقيد بشعور دائم يحمله على الكف عن ما لا يليق، وربما أدرك كثير من الصوَّام هذا المعنى قبل أن يهل رمضان، كما يحقق الصوم معنى الانتساب الأممي، وتبعاته، ومظاهره، فهو عبادة يشترك فيها المسلمون في كل مكان مما يعمق معنى الإخاء الديني.
والولاء الشرعي، ويذكر بوجوب الانعتاق من الروابط المنافية لذلك، وينهى أن توضع الروابط العادية البشرية في مكان غير صحيح، فلا تتحول إلى علاقة تساوي العلاقة الربانية بين أهل الإسلام.
ـ كثيراً ما نسمع من بعض علماء الدين حديثاً عن علاقة الصوم بالجهاد، هل تشرح لنا هذه العلاقة؟
ـ الصوم يذكر المسلم بالجهاد الذي هو حراسة هذا الدين، وذروة سنامه، وسطوته على مناوئيه، فلقد كان تاريخه الشهري ملتبساً بالمواقع الفاصلة من بدر تاج معارك الإسلام إلى فتح مكة، التي كانت إيذاناً ببسط سلطانه على جزيرة العرب، إلى حطين، إلى عين جالوت، والكتاب الذي آذن المسلمون بأنه كتب عليهم الصيام هو الذي آذنهم بأنه كتب عليهم القتال، لكنه ليس قتالاً بنصرة عنصر ماجن، ولا لتسلط ظالم طاعن، ولا لجباية أموال حرام، ولا لاحتلال منابع الثروات، لكنه لتكون كلمة الله هي العليا، وحتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله.
والجهاد إيذان لأنه ليس كل الناس يؤمنون بالدعوة، بل هناك الرؤوس المتغطرسة مما لا يلين إلا بالقوة، والحديد بالحديد يفلح، ولهذا بعث الله رسوله بالكتاب وبالحديد. فالكتاب والبينات أصل الرسالة ولبُّها، والحديد سورها وحمايتها، والذين يقارعون البغي والظلم في فلسطين وغيرها من بلاد المسلمين التي احتلها الأعداء، واستباحوا خيراتها هم النواب عن الأمة في الحفاظ على هذه الشريعة العظيمة، فحق على الأمة أن تكون من ورائهم بالنصرة الصادقة، وليس بالعاطفة وحدها.
رمضان والملذات
ـ الملاحظ أن شهر رمضان تحول عند كثير من المسلمين إلى شهر اللهو والملذات وخصوصاً الأطعمة، والسهر في الخيام ما قولكم في ذلك؟
ـ الصيام يعد نفس الصائم لتقوى الله عز وجل بترك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة امتثالاً لأمره، واحتساباً للأجر عنده، فتتربى بذلك إرادته على ملكة ترك الشهوات المحرمة، والصبر عنها فيكون اجتنابها أيسر عليه، وتقوى نفسه على النهوض بالطاعات والاصطبار عليها، فيكون الثبات عليها أهون عليه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((الصيام نصف الصبر)).
فحينما تضيق الأمور كما هي الآن، وتستحكم الحلقات، وتسد المنافذ، وتنتصب العقبات، ويقنط الإنسان تأتي التقوى فتتسع بها المضائق، وتحل بها العقد، وتفتح بها المسالك، وتذلل بها العقبات، فمن يتق الله عند نزول المصيبة، فيوحد الله، ويصبر لحكمه، ويرضى بقضائه، ويثبت على مبدئه، واستقامته يجعل الله له مخرجاً من هذه المصيبة، فيبدل ضيقه فرجا، وخوفه أمنا، وعسره يسرا.
فمن يتق الله، ولا يسمح للأفكار الزائفة أن تأخذ طريقها إلى عقله يجعل الله له مخرجاً من الضياع، والحيرة، والضلال، وخيبة الأمل، ومن يتق الله فيبرأ ممن حوله، ويبرأ من حوله، وقوته، وعلمه يجعل الله له مخرجاً مما كلفه به بالمعونة عليه، ومن يتق الله فيقف عند حدود الله فلا يقربها.
ولا يتعداها يجعل الله له مخرجاً مما كلفه به من الحرام إلى الحلال، ومن الضيق إلى السعة، ومن النار إلى الجنة، ومن يتق الله في كسب رزقه، فيتحرى الحلال الذي يرضي الله عز وجل يجعل الله له مخرجاً من تقطير الرزق بالكفاية، ومن إتلاف المال بحفظه ونمائه، ومن يتق الله في اتباع السنة يجعل الله له مخرجاً من ضلال أهل البدع.
ونتائج ابتداعهم، ومن يتق الله في اختيار زوجته، وفي التعامل معها يجعل الله له معها من الشقاء الزوجي، ومن يتق الله في تربية أولاده يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم وشقائه بشقائهم، ومن يتق الله في اختيار عمله، وحسن أدائه يجعل الله له مخرجاً من إخفاقه فيه.
ولما كانت النفس البشرية تتوق إلى تناول ما تشتهيه، وتنفر عن البعد عنه فإن من أعظم ما يزكيها، ويطوعها لطاعة الله عز وجل أن تدرب على الصبر عن تناول الطيبات التي أباحها الله تعالى إذا أمرها بتركها.
ومن أعظم شهوات النفس الطعام والشراب وغيرهم، وقد حرم الله على المؤمن هذه الأمور التي لا يستغني عنها في حياته كلها في نهار شهر رمضان بأكمله، فإذا تركها مخلصاً لله في تلك المدة من الزمن، فإنه بذلك يكون جديراً بأن يكون من المجاهدين لأعدائه الملازمين، وهم نفسه الأمارة بالسوء، والهوى المردي، والشيطان المغوي.
والذي ينجح في هذا الجهاد الأكبر يسهل عليه الجهاد الأصغر، وهو قتال عدوه الخارجي، ومن لم ينجح في جهاد عدوه الملازم له يصعب عليه جهاد عدوه الطارئ، لأن الذي لم يروض نفسه على طاعة الله بامتثال أمره، واجتناب نهيه فيما هو أخف عليه، كالصيام مثلاً، فمن الصعب عليه أن يقف في الصف لمقارعة الأعداء يستقبل بصدره ونحره قذائف المدافع، ورصاص البنادق، وأطراف الرماح، وحد السيوف.
ـ يكثر المسلمون من الدعاء في شهر رمضان هل يكفي الدعاء فقط؟
ـ إن مئات الملايين من المسلمين اليوم يرون أن مجرد انتسابهم لهذا الدين يكفي لنجاتهم في الآخرة، ولصلاحهم في الدنيا، حتى لو لم يفهموا حقيقته ولم يطبقوا تعاليمه، ولم يتمثلوا قيمه، وربما تجد عند أحدهم من الثقة بالفوز والنجاة في الدار الآخرة أعظم من ثقة العشرة المبشرين بالجنة! وأما ما يتعلق بالدنيا فربما تجد الواحد منهم يكدح فيها ليلاً ونهارًا، ويضني بدنه وجوارحه، ولكن من دون جدوى، لأنه لم يأخذ بالأسباب المعتبرة.
الكثيرون يطلبون قضاء حوائجهم، وتفريج كروبهم، وسداد ديونهم، وتزويج عوانسهم، وإزالة مشكلاتهم، ورد غيابهم، ونصرتهم على أعدائهم بدعاء من دون عمل، أو يتوقعون الفرج هدية رخيصة تأتي من دون ثمن، ولِمَ لا؟ أو ليسوا بالمسلمين؟! هنا موطن الخلل.
أجرى الحوار: تيسير أحمد (دمشق)
