قصص الحب الجميلة كثيرة ومتنوعة وتتناقلها الأجيال على مر السنين باعتبارها مخزونا ثقافيا وتراثيا لا يجب التفريط به بأي شكل من الأشكال.

إحدى تلك القصص الخالدة لا تزال حتى يومنا هذا محفورة بين الجدران الشامخة والدهاليز العميقة لقصر مدينة ترنتشين السلوفاكية، وهي تروي تفاصيل حب جامح بين كل من الباشا عمر وحبيبته فاطمة، وهما من تركيا وشاءت الظروف التاريخية أن يقعا تحت رحمة قائد سلوفاكي قاسي القلب يدعى ستيفان زابولسكي، استغل حبهما لتحقيق مآرب شخصية مرتبطة بقصره الفاخر المطل على المدينة من علِ.

تقول الرواية التي تتفاوت تفاصيلها الدقيقة بين مصدر وآخر، إن القائد السلوفاكي تمكن في إحدى معاركه من أسر الفتاة الجميلة فاطمة وقرر وضعها كجارية في قصره بمدينة ترنتشين. وبعدما علم الباشا عمر بمكان وجودها قرر المغامرة بحياته من أجلها، فجاء لزيارة زابولسكي على رأس وفد كبير من أتباعه المحمّلين بالهدايا الثمينة والنفيسة.

ووقف عمر يستجدي عطف زابولسكي قائلا «أيها القائد، ها أنا أقدم لك كل ما تطلب من ذهب وجواهر وحرير وسجاد نادر مقابل أن تطلق سراح حبيبتي فاطمة».

إلا أن زابولسكي الذي لم يكن يفتقر آنذاك للمال والجاه والهدايا لم يرضخ لهذا العرض وقرر بدلا من ذلك مبادلة أسيرته بشيء أثمن من كل الجواهر فأوضح مطلبه بشكل أدق. «إذا كنت تريد حبيبتك حقا، يجب أن تحفر أنت ورجالك بئرا تنبع منه المياه العذبة. لا أريد شيئا غير الماء العادية».

ولأن المحب المخلص لا يعرف المستحيل، وافق الباشا عمر على قبول العرض المقدّم له برغم معرفته بأن المهمة لن تكون سهلة أبدا نظرا لارتفاع القصر عن سطح الأرض بشكل كبير ومبني، فوق صخور قاسية لا يمكن قهرها بسهولة.

وتشير بعض الروايات إلى أن عمر اعتمد في هذه المهمة الشاقة على مساعدة ثلاثمئة من أنصاره الذين فقد معظمهم حياته أثناء العمل، وأنه تمكن بالفعل من إنجاز المهمة خلال ثلاثة أعوام عندما وجد المياه العذبة على عمق ثمانين مترا تقريبا.

اكتشاف المياه شكّل بالنسبة لزابولا خبرا لا يوازيه أي خبر آخر، لأنه كان بإمكانه منذ تلك اللحظة الصمود داخل قصره لفترة طويلة من الزمن في حال تمكنت الجيوش المعادية من محاصرته. كما شكل ذلك بطبيعة الحال نهاية سعيدة لمأساة عمر وفاطمة بحيث أن زابولا قرر إطلاق سراحها وتأمين طريقها وحبيبها إلى وطنهما الأصلي.

والبئر المذكور لا يزال موجودا حتى يومنا هذا في باحة قصر ترنتشين ويحمل منذ ذلك التاريخ اسم «بئر الحب» نسبة إلى التضحية الكبيرة التي قدّمها عمر من أجل حبيبته فاطمة، كما أن بعض المتاجر والمطاعم في المدينة تحمل اسم فاطمة أو عمر تقديرا لهذه القصة الجميلة.

ولأن تفاصيل التضحية المذكورة انحفرت عميقا في وجدان سكان المدينة وخصوصا الشباب المحب، فقد دأب كثيرون منهم على زيارة البئر لأنها أصبحت حسب تعبير البعض رمزاً للحب النقي والنادر الذي لم يعد له وجود في عصرنا الحالي.

ترنتشين ـ حسن عزالدين