استدعى الاعتداء الإسرائيلي على المعالم التراثية والثقافية في لبنان، تدخل مؤسسات عالمية كاليونسكو لإنقاذ المواقع التاريخية، التي تمثل قيماً روحية ومادية ليست حكراً على اللبنانيين وحدهم، بل تشكل ملكية تراثية للشعوب والمجتمعات كلها.

ولهذه الغاية، أوفدت اليونسكو بعثة رفيعة المستوى يترأسها مدير عام المركز الدولي لدراسة وترميم الممتلكات الثقافية في العالم منير بوشناقي إلى جانب خبراء دوليين، جالوا على المواقع الأثرية الخمسة المدرجة على لائحة التراث العالمي، وأعدّوا تقارير مفصلة حول حجم الأضرار التي لحقت بهذه المواقع جراء العدوان الإسرائيلي وآليات المعالجة.

إضافة إلى تقارير أخرى تتعلق بأوضاع الأحياء القديمة التي تتكون من عمارة تقليدية تراثية في البلدات المدمرة مثل بنت جبيل والخيام وغيرها، والتي يحتاج معظمها إلى إعادة تشكيل وإصلاح كاملين.

«البيان» التقت منير بوشناقي في مقر إقامته في بيروت، واطلعت على نتائج جولة الوفد الدولي على مناطق ومواقع لبنان الأثرية والتراثية، وأكد بوشناقي على فداحة الخسائر التي لحقت بمواقع عديدة غير مصنفة على لائحة التراث العالمي كقلعة شمع القريبة من بلدة الناقورة،حيث دمرت بشكل كبير وتهدم مقام النبي شمع فيها وكذلك متحف الخيام ومعالم كثيرة في بنت جبيل والخيام وبعلبك وغيرها.

وأوضح أن الأضرار داخل المواقع الأثرية الرئيسية كبيرة أيضا لا سيما موقعي جبيل وبعلبك، حيث هناك تأثير مباشر على قاعدة البرجين الأثريين الغربي والشرقي في جبيل جراء تسرب البؤرة النفطية، التي أحدثها قصف خزانات معمل الجية من الشاطئ نحو المباني الأثرية، وكذلك تضرر بعض المواقع الموجودة سواء على سطح الماء مباشرة أو تحت سطح البحر، ولفت إلى أن هذه المشكلة تستلزم معالجة مختلفة ومستعجلة، كي لا تبقى الأحجار ملوثة إلى الأبد.

وأضاف بوشناقي قائلاً: اجتمعنا بخبيرين فرنسيين متخصصين بمعالجة تلوث الشواطئ موجودين في لبنان منذ ثلاثة أسابيع من قبل حكومتهما للمساعدة في معالجة آثار التلوث على كافة الشواطئ اللبنانية، وقدموا لنا معلومات فنية مهمة سنضمنها في تقريرنا بغية معالجة هذه المشكلة بشكل علمي صحيح.

كما التقينا خبيراً فرنسياً متخصصا بأمراض الأحجار، واقترح معالجة مختلفة تتركز على استخدام معدات يدوية ومواد غير مضرة بالحجر والنبات، على أن يشرف بنفسه على العمل مع فريق مؤلف من 20 شخصاً يتم تدريبهم للتعاطي مع هذا النوع من العمل.

وأشار بوشناقي إلى أنه خلال معاينة الوفد الدقيقة لآثار بعلبك تبين وجود تأثير مباشر على الموقع التاريخي المهم، حيث تظهر فسوخ عميقة وواسعة بشكل واضح جراء الفعل الارتجاجي للقصف المباشر على محيط القلعة.

وقال بوشناقي: طلبنا في تقريرنا أن تساعد اليونسكو الحكومة اللبنانية لجهة إرسال أجهزة تقنية و فنية كالفوتوغرامتري الدقيقة النتائج لتحديد حجم الضرر وأسبابه الفعلية، كما تبين لنا التردي في أوضاع موقع بعلبك الذي أجريت له أعمال ترميم وصيانة خلال الستينات، استخدمت خلالها أنواع من الاسمنت المسلح والحديد العادي المعرض للصدأ، الذي لا يتوافق مع التقنيات المستخدمة حديثاً في هكذا نوع من المواقع.

وكذلك الأمر في موقع مدينة صور الأثري الذي لم يتعرض لأضرار مباشرة، باستثناء سقوط بعض الزخارف عن أحد القبور الرومانية والتي سنقدم مساعدة فنية لترميمها، إلا أن موقع صور يحتاج إلى أعمال تأهيل وصيانة، وقد ألحقنا بالتقرير المتعلق بأضرار الحرب الأخيرة تقريرا آخر يتضمن طلباً ملحاً لترميم هذين الموقعين وصيانتهما من جديد.

وتابع بوشناقي حديثه قائلاً: نعلم أن الأولويات كثيرة جداً بعد الحرب المدمرة التي طاولت كل القطاعات في لبنان، لكننا جئنا في محاولة لإعادة الحياة الثقافية إلى مجراها الطبيعي ضمن استرجاع الشخصية اللبنانية، لهذا نحن نظرنا إلى التراث المادي من معابد ومساجد وغيرها والتراث غير المادي أيضاً، و خرجنا بتوصيات بعضها مستعجلة يمكن أن تقدم اليونسكو على أثرها دعماً مادياً من خلال صندوق التراث العالمي.

وبعضها سينتظر مبادرات الدول الغربية والعربية لا سيما إيطاليا واليابان ودولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وقد دعّمنا تقاريرنا بأفلام مصورة عن المواقع والأضرار التي لحقت بكافة المعالم التراثية والأثرية وصور فوتوغرافية عن بنت جبيل وشمع والخيام وغيرهم ستوزع على الدول الممولة، لافتاً إلى أن اليونسكو ليست مؤسسة تمويل، بل هي معنية بحماية المواقع والمحافظة عليها.

وكي لا تضيع المعالم التراثية في غمرة ورش الإعمار التي انطلقت في غير منطقة، كشف بوشناقي أنه اجتمع مع وزير الثقافة اللبناني طارق متري ومدير عام الآثار فردريك الحسيني ووضعهم في صورة تحرك المنظمة الدولية، وقد توافق الجميع على ضرورة متابعة الوزارة لعملية إعادة الإعمار في بنت جبيل وغيرها وإرسال خبراء ومهندسين متخصصين بالعمارة التراثية وإبقاء العمل تحت إشراف مديرية الآثار، مشدداً على أن إعادة بناء هذه المعالم التي تعد وثائق فريدة يحتاج إلى تقنيات معينة وأسلوب بناء مختلف.

وأكد بوشناقي استعداد اليونسكو لمراقبة حالة المواقع الأثرية والتاريخية الأخرى المتضررة جراء العدوان التي لم يتسن لنا الإطلاع عليها ميدانياً، على اعتبار أن مهمتنا مقتصرة على المواقع المدرجة على لائحة التراث العالمي فقط، إلا أننا زرنا عدة مواقع على القائمة البدائية في التراث العالمي كمعبد أشمون في صيدا الذي تعرض محيطه للقصف.

إضافة إلى مدينة صيدا القديمة والمسجد العمري الذي حصل على جائزة الآغا خان وخان الإفرنج وغيرهم، وقد وعدنا المعنيين في وزارة الثقافة بتقديم كل مساعدة فنية وتقنية ومادية إذا أمكن، بعد جمع التمويل من الدول المتبرعة من أجل إنقاذ كل المواقع والمعالم التي تشكل هوية هذا البلد وتراثه الحضاري.

وحول انتهاكات إسرائيل المستمرة لاتفاقية لاهاي الموقعة عام 1954 والخاصة بحماية التراث الثقافي خلال النزاعات المسلحة، قال بوشناقي: منذ بدأ العدوان على لبنان وجه مدير عام اليونسكو رسالة إلى سفير إسرائيل في اليونسكو تضمنت نوعاً من الإنذار يطالبه فيها بضرورة تجنيب المواقع المدرجة على لائحة التراث العالمي في لبنان الاعتداءات، إلا أنه رغم ذلك لم تسلم المواقع والمعالم المهمة.

بيروت ـ ثناء عطوي: