سؤال لا بل فكرة مركزية واحدة سيطرت على تفكيري من دون أن أتمكن من التخلص منها وأنا أشاهد العرض الأول ل«جمانة: سر الصحراء« مفادها: هل يسعى بيير ماركو مخرج هذا العمل المبهر إلى حملنا على أن ننسى «ألف ليلة وليلة»؟
بكلام عفوي ومباشر .. وبتواضع شديد أجابني بيير ماركو بعد العرض على هذا السؤال ليزيح عني قلقي، قال: «هناك فرق كبير بين مسرحية «جمانة: سر الصحراء» وأسطورة «ألف ليلة وليلة»، كل واحدة منهما تحكي عن مضمون مختلف، وأنا لا أريد للناس بأن ينسوا «ألف ليلة وليلة» لأنهم بكل بساطة لن ينسوها، ولكنني في المقابل أتمنى أن يأسر عملي المشاهدين كما أسرتهم ألف ليلة وليلة».والحق يقال ان «جمانة: سر الصحراء» نجحت في ذلك، إذ فاجأنا بيير ماركو بعرض مسرحي متميز في «التكنيك» والأداء وإبراز قوة وإمكانيات العنصر البشري على المسرح: أكثر من 50 راقصاً وراقصة من 8 جنسيات مختلفة، يتقدمهم بطل العرض الراقص العالمي بيدرو بواليس، يلعبون أدوارهم في حركة منسقة متكاملة ومن دون لحظة توقف أو استراحة طوال أكثر من تسعين دقيقة استنفروا خلالها جميع حواس واهتمام الحضور فوق مسرح أقيم وسط 10 ملايين لتر من المياه، وأمام مدرج رائع وسط صحراء مفتوحة.
وإذا كان بيير ماركو قد نجح في شد اهتمامنا وعدم السماح لنا بلحظة شرود عن مسرحه الذي ازدحم بتفاصيل فنية وتقنية لا يمكن لبشري من أن يستوعبها بمشاهدة «جمانة: سر الصحراء» مرة واحدة أو من المرة الأولى، فإنما فعل ذلك بمساعدة الموسيقى التصويرية للعمل التي وضعها المؤلف الموسيقي جون موسى ذلك الفنان المعروف بتأليفه أفضل أعمال الموسيقى التصويرية للأفلام.
تصيب المشاهد دهشة متواصلة لا تغادره طوال العرض المسرحي، لا بل تمسك به إلى ما بعد انتهاء العرض بفترة ليست بسيطة: تقنيات مسرحية غاية في التقدم تتمثل بكم غير يسير من المؤثرات السمعية والبصرية والمائية تندمج وتتقاطع وتتداخل بتكامل لا مثيل له، فهذا الخليط من الأضواء والليزر بأبعاده الثلاثية ونوافير المياه والألعاب النارية، بالإضافة إلى الموسيقى الرائعة يولد مشهداً من الفن الراقي غير المسبوق يغطي كل أنحاء المسرح لتسري عبره متعة ودهشة فنيتين في نفوس مشاهدي «جمانة: سر الصحراء».
يقول بيير ماركو «العرض الذي استغرق الإعداد له سنة كاملة هو الأول من نوعه في الشرق الأوسط، والمقرر حالياً هو عدم عرضه خارج دبي»، نسأله: ماذا عن حكاية الأمير العربي الذي يبحث عن جمانته الجوهرة، ها هي أسطورة أم قصة واقعية أم مزيج ما بين الأسطورة والواقع؟ وهل جمانة شرقية أم غربية؟
يجيب بيير: «هي أسطورة من خيالي والفكرة الأساسية محض شرقية، هي حكاية أمير عربي تروي تقاليد وعادات الحياة الشرقية، ومشاهدها تشير بشكل خاص إلى تراث دبي»، ويستطرد قائلا: «العمل يحمل بعض اللمسات الغربية الإخراجية التي لم تؤثر على المضمون الشرقي».
إذاً، لابد لمن أراد أن يكشف سر الصحراء من أن يشهد «جمانة: سر الصحراء» فهي وحدها هذه الجوهرة كفيلة بأن تحكي حكايتها لتروي فضول الباحث عن السر، ولتأسر قلبه وعقله من دون أن تمكنه من كشف سرها الذي يكمن عند «رؤية دبي التراثية» التي تبدو بصماتها، كجهة منتجة، واضحة في مختلف تفاصيل هذا العمل الإبداعي الرائع.
وتبقى كلمة أخيرة لشيرين الشناوي وفيها أنه «ما كان يجدر بك بذل كل هذا المجهود لاستدراجنا إلى قلب الصحراء.. بل كان كافياً أن تقولي لنا إننا سوف نندم كثيراً إن لم نسبق الجميع في مشاهدة «جمانة: سر الصحراء».
دبي ـ غسان الحبال:


