في ظل صناعة خجولة، إن لم نقل تكاد تكون معدومة، لفيلم الكرتون العربي برز أول فيلم كرتون تونسي يهتم بحضارة قرطاج ويروي عن الفترة التاريخية التي عاشتها بأسلوب سلس يهدف إلى تنمية إدراك الطفل ولفت انتباهه للحضارة العالمية التي تحيط به.

الفيلم »لتحيا كرتاقو« الذي لم يلق رواجاً عربياً على الرغم من أهميته، هو من إخراج عبد القادر بلهادي التونسي من أصل جزائري الذي حازت أفلام الكرتون على اهتمامه منذ انطلاقته الأكاديمية، وحول تجربته الإخراجية كان لنا مع بلهادي هذا الحوار:

* بداية ما الذي دفعك إلى هذه التجربة، صناعة فيلم كرتوني، بينما يتجه الاهتمام نحو سينما الكبار؟

- في بداياتي عملت كمصمم شخصيات وديكور ثم عملت كمساعد مخرج وكان هدفي هو صناعة فيلم كرتوني يوما ما والتقيت بأحمد بهاء الدين عطية في فرنسا وهو منتج معروف في تونس خاض العديد من التجارب الناجحة من قبل فأقنعني بالعمل معه وانتقلت للعيش في تونس وبدأنا في تنفيذ الفكرة التي استمرت لسنوات.

الفيلم الكرتوني مكلف جداً ويتطلب جهودا أكثر من الفيلم السينمائي العادي، وقد عملنا معاً متجاوزين فكرة أنه لا توجد صناعة حقيقة لأفلام كرتون لأن تفكيرنا لم يكن مادياً بل نحن أصحاب هدف معين وهو تقديم مادة تعليمية وتثقيفية للطفل العربي.

* ألا تلعب القنوات العربية المتخصصة بأفلام كرتون دورا في مخاطبة فكر الطفل العربي؟

ــ هذه أكبر مشكلة تعترض صناعتنا فأصحاب هذه القنوات يشترون من السوق الغربية والأسيوية أفلام كرتونية بمبالغ طائلة ولا يشترون أفلاما من صنع تونسي أو مصري أو غيره وهذا الأمر جعل صناعة الكرتون تكاد تكون معدومة في الدول العربية، كما أن الأفلام الموجودة لا تخاطب الطفل العربي الذي يمتلك تراثا وعادات وتقاليد معينة لايجب أن يحيد عنها، بل تخاطب الطفل الآسيوي أو الغربي بعاداته وتقاليده وهو ما أحدث شرخاً كبيراً لدى طفلنا العربي.

* ما هي ملاحظاتك على أفلام الكرتون الغربية غير أن بعضها يكرس العنف والبعض الآخر يخاطب الكبار ويطرح مواضيع الحب والغرام، ويتجاهل أن المتلقي هو طفل صغير؟

ــ الغرب شوه تاريخ العالم العربي والمشكلة هي أننا قرأنا التاريخ حسب ماروته أيديهم كما أنهم يريدون لفت انتباه الطفل للأكشن وهذا أمر خاطئ فالطفل يجب أن ينشأ على التهذيب والأخلاق لا على الضرب والعنف، ولا ننسى أن الطفل يقلد كل ما يشاهده والآباء يضعون فيلم الرسوم المتحركة لأطفالهم وينصرفون لأعمال أخرى من دون أدنى وعي إلى ما يمكن أن يستوعبه الطفل وينفذه فيما بعد وهذا أمر خطير.

خاصةً وأن صناع الفيلم الكرتوني اليوم لا يراعون نفسية الطفل، بدليل أننا شاهدنا وسمعنا عن الكثير من الحوادث كالقفز من أماكن عالية وغيرها لأطفال يقلدون أبطال رسومهم المتحركة، كما أن المنتوج الخاص بالأطفال يعد من أخطر المنتوجات على الإطلاق سواء كان لعبة أو فيلما فنحن نخاطب بذلك جيلا كاملا سيقود العالم من بعدنا.

* إلى أي مدى تؤثر الصور السلبية على نفسية الطفل؟

ــ الصورة تؤثر بطريقة سيئة جداً على نفسية الطفل وتفقده براءته من ناحية، ومن ناحية أخرى تشكل صدمة له، فنحن في صغرنا كنا نشاهد الرسوم المتحركة في البادية أو في الطبيعة والآن أصبحنا نراها في كوكب ناري مع شخصيات مرعبة فعلاً، فيما يجب أن يكون الهدف تجميل الحياة وتبسيطها للطفل.

* هل تعتقد أننا نعيش اليوم على أبواب صناعة جديدة لأفلام كرتون عربية؟

ــ هذا يتوقف على استيعاب الآخر لنا ولو قررنا أن نساعد بعضنا البعض ستزدهر هذه الصناعة حتماً في كل الدول العربية، خاصةً وأننا نمتلك مواهب كثيرة وأفكارا عديدة، ولو استطاع العالم العربي أن يلغي الحدود بين أقطاره فإن هذه الصناعة ستزدهر حتماً. لقد لفتني مشهد غريب قبل سنة بينما كنت في احدى الدول العربية.

حيث شاهدت فيلم كرتون أبطاله يلبسون اللباس العربي ويحاكون الثقافة العربية ككل وعندما سئلت عن صُناع الفيلم وجدتهم يحملون الجنسية الأجنبية، هذا الموقف آلمني كثيراً لأنه لا أحد يستطيع أن يعبر عنا كما يجب فكيف نترك شخصا لا يعرف أي شيء عن حضارتنا وتاريخنا أن يحكي لأطفالنا عنا؟

* فيلم »لتحيا كرتاقو« عُرض للمرة الأولى في إطار مهرجان قرطاج 2006 فكيف استقبله الجمهور التونسي؟

ــ الإقبال كان جيداً ولم يكن ممتازاً هذا لأن العمل الفني بصفة عامة يتطلب الكثير من الدعاية وهذا الأمر لم يكن متوفراً لفيلمنا الجديد ولكننا نمتلك خطة مستقبلية لترويج الفيلم في تونس وخارجها.

* فكرة الفيلم تدور حول تاريخ قرطاج فكيف استطعتم التعمق فيه وتصويره بتلك الطريقة الضخمة؟

ــ تنفيذ الفيلم استمر لأكثر من خمس سنوات وقمنا خلال تلك الفترة بالتعاون مع الأستاذ محمد حسين فنتر وهو مختص في مادة التاريخ وباحث معروف في مجال تاريخ تونس ومن خلاله استطعنا أن نكون فكرة العمل واكتشفنا أن تاريخ قرطاج العريق شوهه المحتل الروماني الذي دمر المعالم الأثرية وشوه تاريخا وحضارة عريقة كاملة، كسياسة أي محتل آخر.

* من يشاهد الفيلم يشعر أنه موجه للكبار ويكاد يكون وثائقيا أكثر من كونه ترفيهيا؟

ــ بصراحة أنا لا أفصل بين عمل الكبار وعمل الصغار وبالنسبة لي فالعمل السينمائي يجب أن يحمل مجموعة من الأهداف من أهمها التربية والتعليم والتثقيف في قالب ترفيهي أو درامي أو تراجيدي جيد.

وفيلم »لتحيا كرتاقو« موجه لكل الأعمار فمن منا لا يحب أن يتعرف على تاريخ وحضارة مازالت قائمة على بعد كيلومترات قليلة من العاصمة التونسية، ولا ننسى أن مجموعة كبيرة من الكبار يستمتعون بأفلام الرسوم المتحركة التي تحمل قصة حقيقية ويتعلمون منها أيضاً.

* صاحب الفكرة هو منتج الفيلم وقد حاول إقناعك بالفكرة إلا أنك رفضت التنفيذ بحجة أن لا أحد يمتلك الإمكانيات الضخمة لصناعة فيلم كرتوني فكيف توصلتم لاتفاق؟

ــ عندما اقترح أحمد بهاء الدين عطية الفكرة كان هو مقتنع بها ومستعد لإنفاق أموال ضخمة عليها وقد شجعني حماسه على خوض التجربة والحمد لله نفذناها ونحن في مرحلة الإعداد لعمل جديد.

* عملكم الجديد هل سيتناول التاريخ أيضاً؟

ــ نعم ولكنه لن يتناول تاريخ الوطن العربي بل تاريخ أفريقيا وكل أبطال الفيلم هم شخصيات إفريقية، وقد قمت برحلة إلى »مالي« لأقترب أكثر من الناس وتفكيرهم واهتماماتهم وطريقة بناء بيوتهم وأكلهم وقد بدأنا في تنفيذ شخصيات الفيلم، وأتوقع له النجاح لأنه يتناول قصة حقيقية أيضاً.

عبد القادر بلهادي

إضاءة

صنعنا مسلسلاً من 13 حلقة وكل حلقة من 26 دقيقة واسم المسلسل »مفقودو قرطاج« ثم صنعنا الفيلم الذي يتناول نفس الفكرة ولكن بتفاصيل مختلفة وسميناه »لتحيا كرتاقو« وطول الفيلم ساعة وعشرون دقيقة.

تونس ــ ضحى السعفي: